مقلوبة اوباما‏


عندما تبدأ المناظرات الرئاسية الأميركية الشهر المقبل سيحاول الرئيس الحالي، المرشح الديمقراطي، باراك أوباما تقليص هامش النقاش بشأن الموضوع الفلسطيني الإسرائيلي، في مشهد معاكس تماما لحملته أثناء الحملة الانتخابية الماضية، عندما كان يخبر العالم أنّه سيبدأ بمعالجة الشأن الفلسطيني – الإسرائيلي منذ اليوم الأول لرئاسته، ولن يحذو حذو أسلافه ممن ينتبهون لهذا الملف في نهاية رئاستهم. سيركز أوباما في حملته الآن على قضايا الاقتصاد، والتأمين الصحي، والفقراء، وافتقاد منافسه الجمهوري ميت رومني للياقة وحسن التعبير في كثير من الأحوال، وغموض سجله الضريبي، ومعلومات عن تأييده نقل الأعمال للخارج، في شركاته، على حساب العمّال الأميركيين.

في بداية رئاسته كان لدى أوباما شخصان على الأقل، من الوزن الثقيل، يمسكان الملف الإسرائيلي – الفلسطيني، جورج ميتشيل مبعوثا للسلام في الشرق الأوسط، ودينيس روس، مستشارا في البيت الأبيض، يتابع ملفات عديدة، ويختلف مع ميتشيل، أمّا الآن فإنّ الأداء الباهت لديفيد هيل، الذي كان نائبا لميتشيل يجعل البعض يشك أنّ هناك مبعوثا للشرق الأوسط، بعد أن استقال ميتشيل وروس من إدارة أوباما بعد نحو عامين من الصراع بينهما.

إذا كان الدبلوماسي اليهودي الصهيوني المزمن في عمليات السلام قد اعتاد على مر السنين أن يرسم سياسات الإدارات الأميركية بشأن عملية التسوية والتفاوض، فقد أنجز دينيس روس، مهمة شطب كل مقولات وسياسات الإدارة الأميركية الحالية ثم خرج من الصورة. كان أول سؤال سأله عندما عاد للبيت الأبيض في حزيران 2009، من صاحب فكرة وقف الاستيطان قبل التفاوض التي تبناها أوباما؟ لماذا التركيز على هذه القضية دون غيرها؟ ألم تعرفوا أنها ستعطل كل شيء؟ ويوم استخدم نائب الرئيس الأميركي جو بايدن كلمة "شجب" الاستيطان أثناء مواجهته في زيارته لفلسطين، آذار 2010، الإحراج المتمثل في إعلان وزير داخلية إسرائيل بناء 1600 وحدة سكنية في شرق القدس، قال دينيس روس لا يجوز استخدام كلمة شجب إلا مع الإرهاب.

كان أوباما يستخدم في أول عامين له في الرئاسة كلمات "الاحتلال" و"الاستيطان"، والآن استبدلها بحديث "الاحتياجات الأمنية لإسرائيل".

في تموز 2009 دُعي قادة اليهود الأميركيين للقائهم وقال لهم لا بد من أسلوب جديد للتعامل مع الموضوع الفلسطيني- الاسرائيلي، وفي حزيران 2012 دعاهم مجددا، سأله الحاخام شاموئيل غولدين، رئيس مجلس حاخامات أميركا، بشأن عملية السلام "سيدي الرئيس، ما هو الدرس الذي تعلمته؟"، أجاب أوباما "حقا هذا ]سؤال[ صعب".

يوضّح بن رودس نائب رئيس مجلس الأمن القومي الأميركي، الذي كان يكتب خطابات أوباما أثناء حملته الانتخابية، "إنّ رؤية الرئيس الآن أنّ الأمر متروك للإسرائيليين والأميركيين". هذه المعادلة تكاد تكون ذاتها التي بدأت بها الإدارات السابقة لأسلاف أوباما فتراتهم الرئاسية، وكانوا يزيدون التدخل في عملية التسوية في نهايات فتراتهم الرئاسية. أي أنّ أوباما لديه معادلة أسلافه نفسها، إلا أنّها "مقلوبة" تدخّل نشطٌ في البداية واستنكاف في النهاية.

لم يكن لدى أوباما تصور استراتيجي يضع الاستيطان وتجميده ضمن منظومة شاملة، ولم يتخيل الرفض الإسرائيلي. وبنى حساباته الداخلية على أنه سيقنع اليهود الأمريكان وأصدقاء إسرائيل أنّه يرفض سياسات الليكود الإسرائيلي، وأنه سيحمي إسرائيل من فكر الليكود، ولكنه اصطدم بفوز الليكود في إسرائيل. وكانت ولا زالت العلاقة الشخصية مع رئيس الليكود، رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، متوترة للغاية، وظن أنّه سيضغط عليه. ولكن الأخير هو الأقوى انتخابيا في إسرائيل منذ عشرات السنين، واكتشف أنّ عداءه مع أوباما يزيد قوته داخليا.

وإذا كان أصدقاء إسرائيل من أمثال دينيس روس فككوا معالم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وأدى الربيع العربي إلى تغيير معادلات الشرق الأوسط، فإنّ نتنياهو فرض نقل الاهتمام إلى إيران، والكل منشغل باحتمالات ضربة عسكرية إسرائيلية لإيران ولا أحد يفكر بالشأن الفلسطيني.

السيناريو المحتمل، إلا إذا حدث تغير ميداني غير متوقع، أن أي رئيس أميركي مقبل سواء أكان أوباما أم رومني سيتبنى سياسة اللاسياسة إزاء الموضوع الفلسطيني الإسرائيلي، فإذا كان منافس أوباما مستعدا لترك قرار ملف إيران للإسرائيليين، فإنّه وأوباما سيتركان الفلسطينيين على مأدبة الإسرائيليين. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 17-9-2012

الارشيف