كأنهم عشرون مستحيلا!‏


يسرد الصديق والناشط القيادي في جنوب الضفة الغربية، مازن العزة، قصة حدثت زمن انتفاضة الأقصى، حيث كانت شاحنة توزّع مساعدات إغاثية في مخيم العزة (بيت جبرين)، فتزاحم فلسطينيون للحصول عليها، وكان أحدهم شاباً أظهر إصراراً وعنفاً حتى انتزع حصته. وبعد أن غادرت الشاحنة، وانفض الجمع، وصلت امرأة تلتمس حصّتها، فمنحها الشاب غنيمته ومضى. أي تناقض في هذه الشخصية؟ قتالٌ من أجل غنيمة بسيطة، وتنازلٌ عنها لامرأة محتاجة، ربما كان سيتدافع معها قبل قليل!

لفهم المشهد مداخل عدّة؛ أولها أنّه في زمن الصراع تصبح الرجولة والذكورة مرتبطة بالقدرة على الانتزاع وإثبات الذات بالعضلات، بينما التنازل للمرأة هو تعاطف إنساني يبرز في لحظة تنحّي توتر إثبات الذات، أو هو منحة المتمكّن بعد أن تمَكّن. وقد درس الباحثون، وخصوصا الباحثات، وفق مذهب "الفيمنزم" كيف يصبح إثبات الرجولة بواسطة العنف والحدّة مبدأً زمن الحرب؛ ففي روايتها "حجر الضحك" مثلا، تعرض الروائية اللبنانية هدى بركات كيف كان عدم حمل الشاب السلاح إبّان الحرب الأهلية اللبنانية كافيا ليُوسَم بالخنوثة والميوعة، وإهانته باستخدام تعبيرات أنثوية في الحديث عنه!. وربما يكون الافتقار للقيادة والتوجيه مدخلا آخر.

شَهدتُ قبل شهور عتبا بين شباب نظموا عملا تطوعيّا، في عمّان، وآخرين كان يُفترض أن يشاركوا فيه، وانسحبوا في آخر لحظة دون مبرر مقنع. لفتني أنّ هؤلاء المنسحبين كانوا قد ساهموا مؤخرا في فعاليات تضامنية مع الأسرى بذلوا فيها من مالهم، ووقتهم، وصحتهم بالإضراب عن الطعام، ثم برروا عدم المشاركة بعدم القدرة المالية على الوصول إلى موقع النشاط التطوعي!. باعتقادي أنّه يجب إدراك حاجة الفرد ليحقق ذاته، ويكون قادرا على العطاء.  

أحد تفسيرات قيام أطفال ومراهقين في الضفة الغربية هذا الأسبوع بإشعال الإطارات وإلقاء الحجارة والتخريب لفرض إضرابات بالقوة أنّهم يقلّدون ما كان يحدث زمن الانتفاضات ومواجهة الاحتلال، وأنّه تقليد الصغار للكبار، ومحاولة "إثبات ذات" وبأنّهم لا يقلّون عمّن سبقوهم من أخوة وأقارب وجيران، ممن يسمعون قصصهم دائماً، وأنّهم قادرون الآن أن يحكموا الشارع. في زقاق في أبو ديس، شرق القدس، رأيت أطفالا أو مراهقين صغارا ملثمين يحملون الحجارة، لم يكن في المشهد ما يفعلونه حقا، ولكنه على ما يبدو إرث عقود من الزمن كان اللّثام وضرب الحجر وحكم الشارع من علامات بلوغ سن الرجولة. ويبدو أنّ التعامل مع "أطفال الضفة" تم بعقلانية من قبل المسيّسين والشرطة، إذ جرى الحوار معهم، وفي حالة واحدة على الأقل في أحد المخيمات عُقد اجتماع موسع معهم من قبل ناشطين كبار تم بموجبه الاتفاق على عدم العودة للعنف ضد الأهالي.

 هناك فرضية شائعة تتحدث عن الخراب والتخريب الذي أصاب نفسيّة وشخصية الفلسطيني، الذي لا يتقبل الآخر الفلسطيني ويقاتله ولا يُحسن نقاشه أو تقبل رأيه، وحالة الفساد والإفساد الكبيرة. وهي فرضية غير دقيقة في كثير من الحالات، أو أنّه خراب غير عميق؛ فالشاب الذي منح المساعدة التي انتزعها، والشباب الذين جاعوا حيناً وتوانوا حيناً، والأطفال الذين حملوا حجرا وأحرقوا إطارا في الاتجاه الخاطئ، كلهم وغيرهم تعبير عن حالة ارتباك، ولكن فيها فرصة هامّة، تحتاج فهما وتفهما وإدارة سليمة، من قيادة "تعرف" وتتحمل المسؤولية.   

الأطفال – الفتية لديهم استعداد لتوظيف طاقتهم في المكان الصحيح، ويحتاجون من يوجهها، هم يبحثون عن بوصلة. والشاب الذي يثبت "ذكوريته" بالعنف بحاجة إلى من يوجهه إلى أن ترجمة "رجولته" تولّيه تنظيم حركة الشارع في الأزمات، كأوقات نقص التموين، هو يبحث عن بوصلة. والذي يتوانى عن التقديم حيناً ويضحي حيناً، شخص ليس بحاجة لمساعدة أو مال ليتطوع ويعمل، بل يحتاج فرصة عمل يصبح معها قوياً، ويحقق ذاته مهنيا واجتماعيّا، فيصبح قادرا على العطاء وطنيا أكثر، (لديه بوصلة ويبحث عن وقود).

ناقشتُ المسألة قبل أيام في بيت عزاء، مع مجموعة من المناضلين "القدامى"، الذين جاعوا وتعروا وقاتلوا بالمعنى الحرفي للكلمة، سنيناً، فقالوا عليك التمييز بين "الاستعداد للنضال والتضحية"، وهذا أمر لم ينقصنا يوما (كشعب وثورة)، ولكن كان لدينا خلل.   

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 14-9-2012

الارشيف