ثورة وسلطة‏

 

يمكن للرئيس الفلسطيني محمود عبّاس استغلال الأحداث الراهنة في الضفة الغربية، لإعلان موعد إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، تنتج قيادة جديدة، وليضع كل الضمانات لتكرار نزاهة الانتخابات على النحو الذي جرى عام 2006، ولتكن مصر الجديدة مثلا، ومعها الأردن وقطر وغيرها من الأطراف المقبولة لدى الفصيلين الأكبر، ضمن الجهات المشرفة على الانتخابات. وليعلن احترامه التام للنتائج وتسليمه السلطة لمن سيفوز، وفق الضوابط القانونية والدستورية، وليتحمل من يعيق ويرفض الانتخابات عندئذ المسؤولية.

تشيع في الأوساط الفلسطينية مقولة أنّ حالة الازدواجية بين "بناء سلطة" وقيادة "مرحلة التحرر" هي إحدى أصعب المعضلات، والتي لا تجد تصوّرا عمليا واضحا يقودها. بموازاة فكرة الانتخابات ومعها، وبدونها إن تعذرت، يجب أن يكون هناك عمل باتجاه إنتاج حالة نضالية جديدة تناسب حالة الازدواجية، أو تنهيها تدريجيا لصالح الحالة الثورية.

يتعلق الخلل القائم بكل من البنى التنظيمية الحالية، والتركيز المبالغ فيه على كل من الدبلوماسية والاقتصاد.

على صعيد البنى التنظيمية، يجب أن يواجه أبناء حركة "فتح" أنفسهم بأنّهم تحولوا إلى حزب سلطة، ولا يجدي نفعاً القول إنّ وضع "حماس" في غزة شبيه، فلا بد من الاعتراف أنّ "السلطة" تغوّلت وابتلعت الثورة والثوّار، وأصبح المناضل موظفا، ومن بقي على ثوريته حار أمره.

يجب أن يتركز دور رئيس الحكومة الفلسطيني سواء كان سلام فياض أم غيره على إدارة الشأن الحياتي اليومي للفلسطينيين، وليس هذا دورا سهلا، ولكنه ليس كل شيء؛ خصوصاً أنّ من يشغل هذا الموقع لا يجب أن يتخيّل أنه يدير دولة مستقلة، ولا يجب أن يستسلم للاعتمادية على الاحتلال. ولكن على الأرض من يقود المقاطعة الاقتصادية، والمقاومة المدنية الشعبية، وخلق الحالة الثورية بين الفلسطينيين، هم فصائل الحركة الوطنية، وتنظيماتها، وليست الحكومة، (مع التعاون بينهما). وفي هذا الإطار يأتي تقليص أجهزة الأمن، وتأكيد استقلالها الوطني، ورفض التنسيق الأمني إلا على أسس يعاد النظر فيها، ومنها أسس أوسلو، حيث مناطق (أ) محرمة على الإسرائيليين، وفرض هذا بقوة الجماهير والفصائل والضغط الدولي.    

أمّا الدبلوماسية فعلى أهميتها إلا أنها لا يجب أن تزيد عن كونها أداةً ورافعة من بين أدوات أخرى للعمل الفلسطيني، وليس كما تبدو حاليا الإجابة الوحيدة.

كانت فاعلية حركة "فتح" الميدانية والشعبية في الثمانينيات، يوم كانت سريّة وبلا مقرات أو ميزانيات، حركةً أكبر بكثير مما هي الآن حيث عشرات المكاتب والميزانيات والمقرات ومواقع الانترنت ومحطات الراديو والناطقين الرسميين.

 لا بد من الاعتراف أنّ نموذج الاقتصاد الراهن لا يناسب مرحلة حركة التحرر، وعمليا لا يوجد توصيف للاقتصاد الحالي المشوه، فهو ليس لبراليّا، إذ أنّ تدخل الحكومة والاحتلال فيه وحجم الضرائب وسياسات التسعير أكبر من أن يجعله حرا (لبرالي)، وهو ليس اقتصادا رعويا بطريركيا.

على أصحاب التجربة والعقول التآزر وتحديد كيف يقوم اقتصاد ثوري يترك الميزان المحاسبي الموحّد والشفافية للحكومة أو منظمة التحرير الفلسطينية، بينما تبني التنظيمات والخلايا والجمعيات غير الحكومية الوطنية برامجها ولجانها الشعبية المتخصصة بمقاطعة كل ما هو إسرائيلي، ولتصبح حواجز الشوارع والإطارات المشتعلة ضد من يشتري من مستوطنة، وضد من يأتي بالبضائع الإسرائيلية للبقالات العربية. ولتعلن الجامعات والمدارس شعار (صفر يوم انقطاع عن التعليم)، فلا إضرابات ولا إغلاق احتلال يجب أن يوقف مهمة التعليم المقدّسة.

ولتعد فكرة الأراضي الفلسطينية المحررة التي كانت موجودة في الانتفاضة الأولى؛ المحررة من السّلع الإسرائيلية، والقائمة على الإنتاج المنزلي والمحلي، وعلى تقليص أي اتصال مع العدو، بما في ذلك التوسع في آليات الطاقة البديلة، وهو ما يسميه أحد الناشطين الشبّان بالفعل باسم "قلاع الحريّة" كما يحلم بها هو وغيره. هذا مع الاستفادة من حملات التضامن الدولية، وتأكيد وحدانية الحراك الفلسطيني في كل فلسطين، التي لا تقبل التجزئة، وكذلك الشتات.

هذه الأفكار ليست مهربا من استحقاق الإصلاح السياسي وتغيير القيادة الحالية، بل هي مستحيلة دون التغيير، وهي ليست اندفاعة أو رومانسية بل هي متطلبات واقعية للتحرر.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 12-9-2012

الارشيف