سبب الأزمة في الضفة الغربية

 

لم ترفع أيّ من التظاهرات والاحتجاجات في الدول العربية، والثورات والحراكات، المطالبات بخفض الأسعار، شعارا أولاً لها، كما يحدث في الضفة الغربية، هذا رغم وجود احتلال، يمكن أن يُلام وتوجّه النقمة ضده.

في شهر رمضان الفائت، كان سائق سيارة أجرة في الضفة الغربية يعلّق، متحسّرا: قبل عشرة أعوام لم يكن المستوطن يجرؤ على تغيير إطار سيارته إذا تعرض للعطب في الشارع، ويحتاج دورية لحمايته، أمّا الآن – بحسب السائق – فصرنا نخشى أن نغيّر إطارات سياراتنا خوفا من هجمات المستوطنين. وفي الأيام الفائتة لم يعد الفلسطيني يخشى فقط حجارة المستوطنين، وعنفهم، ولكنه يخشى أيضاً المرور بسيارته في مناطق فلسطينية، كمخيمي بلاطة أو الأمعري، أو مناطق في بيت لحم، بعد أن نحت تظاهرات الاحتجاج على غلاء الأسعار منحى عنيفا.  

من المعروف والثابت أنّ جهات داخل حركة "فتح" لا ترغب بوجود سلام فياض ولا تريده، بسبب التنافس وتنازع الصلاحيات، الشخصيّان في أغلب الأحيان. وتأكد في الأيّام الفائتة أنّ جزءا لا يستهان به من الفعاليات الشعبية الاحتجاجية بما فيها الداعية للتظاهر والإضرابات العامة، هي من داخل "فتح" وعلى سبيل المثال لا الحصر مجالس الطلبة في الجامعات، ونقابات مختلفة.

 في الأثناء تراقب "حماس" بحذر، و يؤرقها هاجس انتقال الاحتجاجات إلى غزة، وهو ما تدل عليه ردة الفعل العصبية على تصريح نائب رئيس المكتب السياسي، في حماس، موسى أبو مرزوق لوكالة "معا" أن الاحتجاجات قد تنتقل للقطاع، فنفاها ناطق رسمي من غزة، ولم ينفها أبو مرزوق!.

هاتفتُ عددا من منسقي ومتابعي الاحتجاجات عن قرب؛ فوجدتُ حيرة بين ناشطي "فتح"، والتأرجح بين التذرع بالغلاء لتبرير الاحتجاج، وإعلان العداء لسلام فياض، والتراجع عن تأييد التظاهر بعد أن بدأ يأخذ منحى تخريبيا في بعض المناطق، إضافة إلى من يعتقد أنّ الأجهزة الأمنية الفلسطينية تدعم الاحتجاجات في إطار التنافس الداخلي، أو لأن أفرادها يعانون الوضع المادي أيضاً، وهناك من يفتخر بأنّ الأجهزة الأمنية تتعامل بطريقة منفتحة وتنفذ تعليمات فياض ومحمود عبّاس بالسماح بالاحتجاج السلمي. وسألت أحد منسقي الاحتجاجات الرئيسيين في إحدى المدن، (من خارج "فتح")، "هل يمكن أن يتحول الاحتجاج ليصبح ضد الاحتلال؟"، وجاءني الرد، هذا غير ممكن أبداً قبل تغيير الحكومة!.

في الضفة الغربية الآن رئيس وزراء وصل إلى موقعه بقرار "فتح" أو بالأحرى قرار رئيسها، ولكن خيار رئيس الحكومة، لم يحظ بدعم سياسي تنظيمي فعلي، بل تعرض لهجوم من "فتح".

يرى كثيرون أنّ أول ما تعلنه الأزمة الراهنة هو فشل نظرية بناء الدولة والسلطة بوجود الاحتلال؛ بل إنّ الرئيس الفلسطيني ورئيس وزرائه اقتربا من هذا بإعلان مسؤولية الاحتلال عن المأزق الاقتصادي، مع تلميح إلى أنّ هناك عملية خنق دولية للسلطة لإجبارها على العودة إلى المفاوضات.

يجدر التعامل مع فكرة فشل انتزاع الدولة بحذر، إذ يمكن أن تعني انتزاع السلطة، وأن تعني العصيان المدني، وفك الارتباط مع الاحتلال، ولكن ما حدث أنّ الفصائل وفي مقدمته "فتح" وحكومتها، لم تتبن برنامجاً لانتزاع السلطة ومواجهة الاحتلال باستخدام أدوات جماهيرية شعبية، وحصرت نفسها في مواجهات دبلوماسية وفي أحسن الاحوال "مواجهات إنمائية" تقوم على مشاريع لدعم الصمود الفلسطيني، وبقيت إسرائيل تتحكم في قواعد اللعبة، بمختلف أوجهها الاقتصادية والحياتية.

كان يمكن أن تنجح فكرة انتزاع السلطة وبناء الدولة وأن تصبح برنامجاً وطنيّا، لو وُجدت ضمن سياق اقتصاد مقاومة شامل، تتكامل فيه إدارة حكومية مع لجان شعبية، وحملات مقاطعة، ومواجهة، ولكن حتى الآن لا يوجد ما يشير إلى أنّ رئيس السلطة الفلسطينية، أو الحكومة، أو فصيلها الداعم – نظريا على الأقل– في وارد تبني مشروع كهذا. فقدت "فتح" وجهها الشعبي، وبوصلتها النظرية والعملية. وتصر "حماس" على التهرب من مسؤوليتها المتمثلة في إعاقتها تجديد الشرعيّات، بمنعها الانتخابات. ولا يوجد لأيّهما قرار أو خطة من أي نوع. وليس هناك سوى الخلافات والصراعات. والنتيجة انقلاب المعادلة من مواجهة الاحتلال، إلى المواجهات الداخلية.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 10-9-2012

الارشيف