الاستباقي" و"الوقائي" و"حافة الهاوية" في المسألة الإيرانية‏

 

عندما تتباحث دوائر صناعة القرار الأميركية، وفي حكومات أخرى أحيانا، فإنّها تنطلق من نظريات ومفاهيم علمية أو مبادئ سياسية، أو تسبغ على الأقل على مواقفها مبررات من هذا النوع.

نلمح الآن مصطلحات ونظريات تلوح في النقاش الدائر حول إيران في دوائر القرار الأميركي، أو في الجدل مع إسرائيل.

في البداية هناك جدل يُستخدم فيه مفهومي "الضربة الاستباقية"، و"الحرب الوقائية". والأول مصطلح قديم نسبيا، لديه درجة من التبرير القانوني، ويعني "جهد ما لمنع هجوم عسكري وشيك"، أي أن التحرك العسكري يكون بناء على خطر مؤكد ولإجهاض هجوم حتمي.  أما الحرب الوقائية فهي عملية عسكرية تهدف إلى منع تهديد لا زال أمامه شهور أو سنوات ليحدث. وقد سعى "المحافظون الجدد"، الذين سيطروا على القرار الأميركي في عهد جورج بوش، الابن، كما أوضح فرانسيس فوكوياما، في كتب ومقالات، إلى تجسير الهوة بين المفهومين، والقول إنّه في عصر الإرهاب، وأسلحة الدمار الشامل، والصواريخ البالستية بعيدة المدى لم يعد هناك فرق، وبرروا الحرب العراقية على هذا الأساس. لكن الفشل في العراق، فتح الباب على تساؤلات وانتقادات عدة، لفكرة الحرب الوقائية، ليس أقلها أنّها غير قانونية، وربما تقوم على وضع يمكن تداركه دون حرب، والأهم أنّ إسقاط نظام سياسي له تبعات غير سهلة، وعدم إسقاطه، مع ضربه، ربما يزيد شعبيته، وهو ما ينطبق تماما على إيران. فالحرب يمكن أن تعزز النظام الحاكم شعبيّا، وتفتح الباب لجماعات مناصرة لشن هجمات انتقامية. ولكن المطالب الإسرائيلية، وطروحات أميركية، تريد تسويق "ضربة استباقية" أو "حرب وقائية"، بينما يتساءل آخرون هل هذا مجد؟ وهل هو ممكن؟.

ناقش هذه الفكرة الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية، أنتوني كوردسمان، مطلع الشهر الفائت، في مقال له، طارحا مبدأ نظريّا آخر، يراه أفضل من "الضربة الاستباقية"، وهو "منع الحرب بجعلها خيارا حقيقياً"، مشيرا بذلك إلى مبدأ معروف في العلاقات الدولية، هو "أن افضل استخدام للقوة عدم استخدامها"، والمقصود هنا جعل الخصم يدرك وجود قوة عسكرية ومادية كافية لهزيمته، ما يجعله يتراجع، وبهذا تكون القوة العسكرية أداة ناجحة بمجرد التلويح بها، دون استخدامها فعلا، ودون الخسائر المرافقة لاستخدامها. ويطرح كوردسمان سيناريوهات لتهديد إيران وتوجيه رسالة لها أنها قد تعاني، وأن القدرات العسكرية لن تستخدم في ضربة واحدة، أو في حرب، بل قد تستغل في تشديد الحصار وفرضه بالقوة.   

تعكس تصريحات أمين عام حزب الله اللبناني، لقناة "الميادين" قبل أيام، جزءا من حرب المصطحات والنظريات؛ فقد نوّه حسن نصرالله إلى فكرة "الضربة الأولى"، وأنّ إسرائيل تلجأ إليها عادة، كما في حرب 1967 وتدمير الطائرات والمطارات المصرية، وحرب غزة 2008/ 2009، وضرب مقار أجهزة الشرطة والأمن، ليقول أنّ هذا لن ينجح مع حزب الله، الآن، وأن انتشار الحزب مصاغ بما يكفل إبطال هذا التكتيك، ويحمل تصريح نصرالله هذا إشارة ضمنية أنه لا ينجح مع إيران أيضاً بإشارته لوجود قواعد أميركية في الخليج ضمن بنك أهداف إيراني لو بادرت إسرائيل للهجوم، وبالتالي فإنَّ فكرة الضربة الاستباقية أو الوقائية، غير ممكنتين.

يدرك الأميركيون أنّ ضربة استباقية لا تحقق هدف وقف برنامج إيران النووي، وأنّ تبعات العمل العسكري ربما وخيمة، وتطلب الكثير من الإعداد، وهذا ما يزيد التوتر في واشنطن من سيناريو توجيه إسرائيل ضربات منفردة. ويوجد رأي بأنّه ربما يجدر دراسة فكرة "حرب استنزاف" محدودة الشدّة، عن طريق فرض حصار على إيران بالقوة، والتركيز على العمل الاستخباراتي.

توجيه رسالة بأنّ الحرب ممكنة، كنوع من التهديد لإيران، وتوجيه رسائل أنّ القوة العسكرية يمكن أن تستخدم بطرق غير متوقعة في خنق إيران، هي تكتيكات موضع بحث، ولكن كما يعرف باحثو العلاقات الدولية، فإنّ هذه تسمى ايضا سياسة "حافة الهاوية" حيث توصل خصمك للشعور بتهديد كبير على أمل التأثير بموقفه، ولكن عيوب هذه النظرية أن السقوط في الهاوية يحدث أحيانا، عندما يبادر الخصم للهجوم. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 5-9-2012

الارشيف