هل يمارس نتنياهو "التوريط الواعي" مع واشنطن؟‏

 

وصف مساعد وزير الخارجية الأميركي أندرو شبيرو، في نهاية العام الفائت، مناورات "تحدي الريح الجنوبي" المقررة للعام 2012، بين إسرائيل وبلاده، بأنها الأكبر والأهم من نوعها بينهما. ولو أراد محلل استراتيجي، أو مخرج تلفزيوني حينها، توقع المشهد المتوقع عند إجراء هذه المناورات، فإنّه كان سيقول: سيجري الأميركيون والإسرائيليون مناورات غير مسبوقة، تتركز على تنسيق الدفاعات المضادة للصواريخ للبلدين، وذلك بالتوازي مع تدريبات عسكرية ستجري في منطقة الخليج العربية، تشارك فيها خمس وعشرون دولة تركز على كسح الألغام والتصدي للصوايخ، مع تسارع تركيب رادار في قطر يتكامل مع رادارات في تركيا وإسرائيل تكوّن قوس مضاد للصواريخ، وقد يضيف المـتأمل في المشهد تفاصيل عن القبة الدفاعية في إسرائيل ضد الصواريخ القريبة من غزة وجنوب لبنان. ومن ثم يستنتج من أنّ هذه الخطط، تستهدف إبطال قدرة إيران على الرد على هجوم ضدها، وضد منشآتها النووية، على اعتبار أن الصواريخ خصوصا من نوع "شهاب" التي قد تصل إسرائيل من إيران، وصواريخ قد يطلقها بالنيابة حزب الله من لبنان، والألغام التي قد تلقيها إيران في مضيق هرمز، هي أهم أدوات الانتقام، وسيستنتج أنّ هناك استعدادات لعمل عسكري ضد إيران، أو أنّ التدريبات رسالة لطهران أنّه هناك خطط لإبطال قدرات الردع عندها.

أمّا الآن، فإنّ مناورات "تحدي الريح الجنوبي" جرى تأجيلها من مطلع العام وأصبحت مقررة الشهر المقبل، وتراجع حجمها كثيراً، كما يكشف تقرير لمجلة "تايم"؛ فانخفضت القوات الأميركية المشاركة إلى 1500 بدل خمسة آلاف، وسترسل منصات باتريوت المضادة للصواريخ دون فريقها. في الاثناء ستمضي المناورات والتدريبات في الخليج، ورادار قطر، كما جرى التخطيط لها. ورغم الذرائع التقشفية المالية التي يعلنها الجنرالات الأميركيون، لهذا التقليص مع إسرائيل، إلا أنّ الاعتقاد أنّ ما يجري هو رسالة سياسية، ردا على تقارير أنّ إسرائيل قد تضرب المشروع النووي الإيراني عسكرياً. وهو ما عبر عنه رئيس الأركان الأميركية المشتركة ماتن دمبسي، الذي قال إنّ ضربة عسكرية فد تبطئ ولا تُوقف مشروع إيران النووي، وقال عن إسرائيل "لا أريد دورا إذا اختاروا ذلك (الضربة)".  

يقلل محللون من معنى فكرة تقليص المناورات العسكرية، ويقولون إسرائيل تستطيع أن تعتمد على الدعم الأميركي مهما فعلت. فمثلا هناك رادار أميركي في النقب موجه على إيران يستطيع التقاط مشهد كرة عادية في الجو هناك، ولكن الأميركيون فقط من يطلعون على ما يلتقطه، ويرد محللون: هل يتوهم أحد أنّه لو التقط الأميركيون شيء يهدد إسرائيل سيبقون صامتين لا يخبرون حلفاؤهم؟

ما يجري الآن، على السطح على الأقل، وبعيدا عن محاولات فريق أوباما نفي وجد خلاف مع إسرائيل، عشية الانتخابات، هو ضمن سيناريوهان، أولهما أنّ نتنياهو وفريقه يقومون بشيء أشبه بما قامت به المقاومة الفلسطينية قبيل العام 1967 من الجر للمعركة تحت عنوان "التوريط الواعي"، على اعتبار انّهم يعتقدون أن المعركة ممكنة ومفيدة ولكن يجب إشعال فتيلها. أو هو ابتزاز سياسي إسرائيلي عشية الانتخابات الأميركية الرئاسية، ولقبض الثمن على شكل صمت عدم تحريك عملية السلام مع الفلسطينيين.

من الجانب الأميركي، فإنّ ما يجري يتضمن احتمالين، أولهما أنّ واشنطن تستاء من احتمال قيام إسرائيل بعمل منفرد يخرب كل الجهود الأميركية لبناء تحالف دولي ضد إيران يثمر بعقوبات اقتصادية وحصار، وربما يؤدي يوما لتقبل العمل العسكري.

والاحتمال الثاني، أنّ واشنطن تجس النبض لسيناريو تبدو فيه إسرائيل تتحرك منفردة، لترى كيف ستكون رد الفعل الإيرانية، ومن هنا ربما يكون تصريح أمين عام حزب الله، حسن نصرالله الأخير أنّ إيران  ستستهدف القواعد الأميركية في الخليج إذا قامت إسرائيل بضربها، هو رد على جس النبض هذا. أو أنّ واشنطن تستفيد من أجواء التهديدات الإسرائيلية لحفز القوى الدولية لممارسة ضغط أكبر على طهران. اضف لذلك فإنّ واشنطن عمليا، وكما تدل مناورات االخليج، لا تستبعد فكرة العمل العسكري، ولكن الخلاف على التفاصيل، وقد لا يستمر الخلاف للأبد.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 4-9-2012

الارشيف