مرسي وفلسطين.. حتى لا تكون قصا ولصقا‏

 

عبّر الرئيس المصري محمد مرسي عن مواقفه إزاء القضية الفلسطينية خلال الأيام الفائتة في محطتين رئيستين؛ أولاهما زيارته الصين، والثانية قمة دول عدم الانحياز في طهران. وأهم ملاحظة يمكن استنتاجها أنّه لو صدرت هذه المواقف زمن النظام الفائت، لما أثارت أي دهشة، لو تغير التاريخ ليكون قبل ثلاثة أعوام، لبدت التصريحات طبيعية ومتوقعة، وبكلمات أخرى لم تتغير المواقف قيد أنملة، كما لو أن من كتبها شخص واحد، أو ربما تم "قصها" من الخطابات القديمة و"لصقها" في الجديدة.

لا يدور الحديث هنا عن توقعات بمواقف عسكرية أو مادية على الأرض، يقوم بها رئيس مصر القادم من الإسلام السياسي، تعبيرا عن ثورة شعبية، وانتخابات ديمقراطية، بل عن عدم تغير الخطاب بمضامينه السياسية والفكرية أيضاً. ولكن من يتحمل وزر عدم التغيير هذا؟ ربما الفلسطينيون؟

تتلخص هذه المواقف كما جاء في البيان الختامي لزيارة الصين، على "دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة تتمتع بكامل السيادة على حدود 1967"، تكون عاصمتها "القدس الشرقية"، مع مساندة مشاركة فلسطين في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. وهو ما يصفه مرسي في كلمته بدول عدم الانحياز بـ"حل عادل وشامل يضمن الحقوق المشروعة غير القابلة للتصرف". ويدعو إلى دعم "الاعتراف بالدولة الفلسطينية داخل الأمم المتحدة كدولة كاملة العضوية فيها".

لم يذكر مرسي حق إسرائيل بالوجود صراحةً، ولكن "الحل" على أساس دولتين، يعني هذا حتماً، خصوصاً إذا ما أضفنا إعلان إخوان مصر الالتزام بمعاهدة السلام مع إسرائيل.

تزامنت هذه المواقف والتي يمكن اعتبار أنّ الجديد فيها، هو أنّه لا جديد ولا تغيير، مع نقل مصادر عبرية إسرائيلية، تصريحات، نقلها للعربية إعلام حركة "حماس"، تبعتها حملة استنكار من قبل الحركة لتصريح للرئيس الفلسطيني، محمود عبّاس، قيل أنّه جاء في لقاءاته ووفد من الحاخامين اليهود مؤخرا، قال فيه إنّ "إسرائيل وجدت لتبقى دولة لها كيانها وليس لأن تزول"، ولم تنف مصادر الرئاسة الفلسطينية التصريحات.

ربما يُعتقد أنّ الرئيس المصري، لا يمكن أن يكون رأس حربة التغيير في الموقف السياسي إزاء إسرائيل، لأسباب منها عدم فتح مواجهة مبكرة، دون جاهزية لذلك، خصوصاً مع المواقف الفلسطينية الرسمية المؤكدة لحق إسرائيل بالوجود. ولكن لا يمكن غض الطَرف عن أنّ عدم التغيير هذا، والاحتفاظ بالمواقف القديمة، تغيير بحد ذاته، في خطاب الإخوان المسلمين الذي طالما برر معارضته للقوى الأخرى، ومنها منظمة التحرير الفلسطينية، (في حالة إخوان فلسطين وغيرهم)، على أساس رفض حل الدولتين. والحقيقة أنّ مسؤولية التغيير في الخطاب إزاء إسرائيل مسؤولية جماعية، وليست فلسطينية فقط، والتغيير جزء من الوعود الإخوانية لقواعدها.

أحد أهم تغيرات الموقف "الإخواني" الراهنة هي التبني العلني والمتحمس لفكرة الدولة المدنية، وهو ما أفرد له مرسي جزءا من خطابه في طهران. والدولة الديمقراطية العلمانية هي أساس تصور "فتح" للحل. ومن هنا فإنّ استقبال الرئيس الفلسطيني للحاخامات (أي رجال دين) بشكل متكرر لطمأنتهم حول وجود دولة أمر تجدر مراجعته. مثلما أنّ "قص ولصق" رئيس "إسلامي" مصري للمواقف من خطب وكلمات النظام السابق، أمر يثير الاستغراب إذا استمر طويلاً.

يجب التمييز بين أمرين: التغيير في "الموقف"، والتغير في "الخطاب"، وكذلك التمييز بين "وجود إسرائيل" وبين "ماهية وجود إسرائيل". لذا من الممكن فهم إعلان موقف سياسي مصري يقوم على الالتزام بالمعاهدات السياسية المبرمة، والتأكيد على حل الدولتين. ومن الممكن فهم أن يقول الرئيس الفلسطيني أن لا سلام وحل إلا بدولة فلسطينية، ولكن دون دبلوماسية شديدة تنقلب إلى ضدها بشأن وجود الدولة الأخرى. ومثلما يتهم نائب رئيس وزراء إسرائيل جوزيف ليبرمان الرئيس عبّاس بالإرهاب الدبلوماسي، لا بد من هجوم مضاد على خطاب الدولة الدينية الإقصائية الإسرائيلي. وهذا ما يجدر برؤساء "الدول المدنية" في عصر الثورات العربية أن يركزوا عليه، وعلى سؤال: لماذا إسرائيل دولة دينية إقصائية؟  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 3-9-2012

الارشيف