راشيل كوري والإنسان الإنسان‏

 

منذ عقود ينضم كثيرون للنضال مع الفلسطينيين وغيرهم حول العالم، في قضايا العدل والحرية،كما في جنوب إفريقيا مثلا. في الماضي كانت الإديولوجيا، وتحديدا الفكر اليساري، محركا أساسياً لهذا التضامن. تجتهد إسرائيل لتصوير المتضامنين مع الفلسطينيين بأنهم  غوغائيون، وفوضويون (أناركست)، ومناهضون للعولمة والأمركة. لذا باتت لدي عادة سؤال كل متضامن أقابله عن قصته، وغالباً لا أجد لديهم دافعا إيديولوجيا أو دينياً.

ينطبق هذا على راشيل كوري (1979- 2003)، التي تظهر في تسجيلات في المدرسة الابتدائية متحدثة عن وحدة الإنسان حول العالم، وخصوصا الأطفال، وضرورة مساعدة الفقراء منهم، ومنع وفاة 45 ألف شخص يوميا من الفقر والجوع. هل كان خطابا تقليديا، يتدرب عليه أطفال المدارس دون ان يعوا معناه، أو يعنوه؛ فكان الاستثناء أن راشيل أخذته دليل حياة لها، وسافرت لتحققه؟.

حكمت محكمة إسرائيلية هذا الأسبوع بعدم مسؤولية إسرائيل عن مقتل الأميركية راشيل كوري في غزة عام 2003، لأنه حدث وقت الحرب ودون قصد، رغم تأكيد شهود عيان أنّ ما حدث هو قيام جرافة بدوس كوري عمدا مرتان، أثناء دفاعها عن مزرعة فلسطينيين مدنيين. وقال القاضي أن "أي إنسان يفكّر" سيبتعد عن المنطقة ولكن كوري لم تفعل.

كوري شابة مناضلة متحمسة، حركّتها قيم العدالة. تشعر عندما تنظر إليها أنّ عليك أن تحني رأسك احتراما لوالديها قبل أي شخص آخر. كانت أمها  تستقبل منها رسائل الكترونية من غزة عن نضالها، لم تكن تتذمر. وكان لوالديها ابنة أخرى وصهرا في غزة. إذن لم تكن كلمات الطفولة تلك شيئا عابرا، بل مقصوداً وجديّاً.

لم تلمها أمّها على وفاتها، لم تنزو في ثياب الحداد، بكتها دمعتين ووردة، وامتشقت وزوجها حسام الإنسانية، وانطلقا للعمل، فأقاما مؤسسة راشيل كوري للسلام والعدل. كأنّهما يغنيان راشيل: "وحبوب سنبلة تموت تملأ الوادي سنابل". مشاريع المؤسسة صغيرة ولكنها قد تكبر إن لقيت دعماً، أحدها مشروع لتنقية المياه لا تتجاوز كلفته في مرحلته الأولى عن أربعة آلاف دولار، يزود كما تقول المؤسسة ماء نظيفا لعدد 150 إلى 450 طفلا بحضانة في رفح، وتقول المؤسسة إنّ مشكلة المياه في غزة بدأت منذ قيام إسرائيل عام 1948.  وتقوم المؤسسة على دعم مشاريع لجمعيات ومؤسسات بمنح صغيرة في مجال التعليم، والعمل الشعبي، والإعلام، والفن والكتابة،على أن تكون حقوق الإنسان في صلب المشاريع. كما تقدم منحا للراغبين بدراسة الثقافة واللغة العربيتين، ودراسة سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والسلام، والعدل، وحل الصراعات. وفي برنامج آخر تقوم بإرسال وفود على خطى راشيل إلى غزة لتعميق التعاون بين الأميريكيين وأهالي غزة، وترعى المؤسسة بطولة سنوية لكرة القدم في غزة.

بات والدا راشيل يستخدمان تعبيرات عربية في كتابتهما بالانجليزية، مثل "إن شاء الله".

كانت راشيل قوية تتمرد على ضعفها، ولا تستطيع أن تعتمد على دعم حكومة بلادها، فلو قتلت أميركية في مكان آخر لبكاها سياسيون ورسميون كثر في الولايات المتحدة. في المقابل لا يبدو أن دعم الجهات القادرة على دعم كوري، بما فيها العرب كافيا؛ فمشروع المنح الصغيرة لمشروع حقوق الإنسان افتقد لأي دعم عام 2011، ولم يقدم شيئا. وفي بطولة كرة القدم برفح عام 2009، يقول الأبوان: "تم تأخيرنا في بطولة أيلول(2009)، لمدة يومين على الحدود المصرية – الغزية، وفاتتنا المباراة النهائية (للبالغين)، ولكنا حظينا بحضور ختام بطولة الشباب".     

في مقابلة تلفزيونية قديمة مع فتاة صغيرة تقطن في المنطقة التي تدافع عنها راشيل تكرر الفتاة مرارا "لم أفرح بألعابي، لم أفرح بملابسي، رائحة الغاز في كل مكان". ويقول والدا راشيل عن البطولات الرياضية باسم ابنتهما "نحاول كسر الحصار بكل الطرق، وأن نشيع شيئا من الفرح بين الناس".

إدارة سليمة للقضية الفلسطينية العادلة تطلب شن حملة دولية ضد قرار المحكمة الإسرائيلية الأخير، وخصوصا في الولايات المتحدة، لتغيير الموقف الشعبي هناك من فلسطين. ودعم مشاريع باسم راشيل هو أقل رد لجعل مبادئها منهاج عمل إنسانيا.    

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 31-8-2012 

الارشيف