رسالة ليبرمان بعيدا عن عباس‏

 

تجند تنظيم حركة "فتح" للرد على رسالة نائب رئيس وزراء إسرائيل، وزير الخارجية، أفيغدور ليبرمان بسبب انتقاداته للرئيس الفلسطيني محمود عباس، ومطالبته بتغييره انتخابيا. من المتفق عليه أنّ رسالة ليبرمان تكتيك للتهرب من مسؤولية توقف العملية السلمية. والرئيس عباس أول من يدعو لانتخابات جديدة. وقراءة ردود الفعل على الرسالة، تطرح سؤالين، أولهما، لماذا يجرى إهمال باقي القضايا في رسالة ليبرمان؟ والثاني، ما هو الرد الفلسطيني بعيدا، عن مجرد الدخول في سجال إعلامي، أغلبه موجه للاستهلاك الفلسطيني والعربي وليس للعالم، وللجمهور المستهدف برسالة ليبرمان (العالم الغربي)؟.

أول النقاط التي يوردها ليبرمان، هي إجراءات مالية يزعم التوصل لها مؤخرا، منها اتفاق مع الحكومة الفلسطينية، يتضمن تغيير قواعد التبادل التجاري والإجراءات الضريبية، تطبيقا لتوصيات من صندوق النقد الدولي، ويزعم ليبرمان أنّه جرى مطلع شهر رمضان تحويل نحو 45 مليون دولار سلفاً، من الضرائب المتوقعة لشهر آب، للمساعدة في دفع الرواتب، وأنّه اتفق على زيادة العمالة الفلسطينية في قطاع البناء في إسرائيل بنحو 5 آلاف عامل (الفلسطينيون يبنون إسرائيل؟!)، وجرى تقليص حواجز الطرق إلى عشرة حواجز، بل ويزعم ليبرمان  الموافقة على تطوير حقول الغاز قبالة قطع غزة.

هذه الحزمة من المزاعم المالية، تلفت الانتباه مجددا، للوضع المالي للسلطة الفلسطينية، فربما هناك اتفاق أن الاحتلال هو السبب الأول للمعاناة الفلسطينية، ولكن الأنباء مؤخرا عن اتفاقيات وترتيبات بين حكومة الاحتلال والسلطة الفلسطينية تكاد تقدم صورة تجعل سبب الأزمة غامضا، بل وتسمح لساسة إسرائيل بالزعم أنّهم هم الحل لأزمة الفلسطينيين، وليس سببها. هل تحل الأزمة المالية بتحويل الفلسطيني إلى عامل في إسرائيل، وحتى في المستوطنات؟!

النقطة الثانية، في رسالة ليبرمان، تتعلق بواحد من أكثر الانجازات التي تفتخر بها حكومة سلام فياض، وهي التعمير في المنطقة (ج) الواقعة بموجب اتفاقيات أوسلو تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وهي غالبية أراضي الضفة الغربية، والمرشحة للمصادرة والاستيطان، وتفتخر الحكومة ببناء مدن ومشاريع رائدة فيها تحميها من المصادرة، وهو إنجاز لا بد من الإشادة به، ولكن ليبرمان يزعم أنذ إسرائيل "تشجّع مشاريع بنية تحتية في المنطقى ج"، وإن كان يشن في الوقت ذاته حملة على البناء "غير الشرعي" للحكومة هناك، ويحمل على الفلسطينيين بسبب محاولاتهم استدراج الاتحاد الأوروبي ليكون جزء من هذه المشروعات.

محاولة ليبرمان تجريد مشاريع المنطقة ج من وطنيتها تستحق الرد.

النقطة الثالثة في الرسالة (سوى الهجوم المركز على الرئيس عباس) هي الزعم أنّ المستوطنات لا تشغل سوى 1% من الضفة الغربية، وأنّ المستوطنات لم تمنع إبرام اتفاقيات سلام مع الأردن ومصر. وبالطبع فإنّ هذه الأكاذيب تستحق الرد، فعلى الأغلب أن خارطة الضفة الغربية التي يخفيها ليبرمان في رأسه، تختلف عن الحقيقة، وربما لا يستثني القدس منها فقط بل أجزاء أخرى. ولا بد من أرقام دقيقة لمساحة المستوطنات، وما يتربط بها من طرق وأراض مصادرة.

في إطار الرد على الرسالة. يجب فهم معناها، فهي ليست مجرد رسالة، وهي نهج دبلوماسي، يقوم على الحفاظ الأمر الواقع بلوم الفلسطينيين عليه، بمعنى أنّ المقصود وضع الفلسطينيين، والقيادة الفلسطينية، في موقع الدفاع عن أنفسهم، وجعلهم يلامون عن وضع يتعرضون فيه لهجوم مستمر، ولضائقة شديدة. والدفاع يكون بالهجوم، دبلوماسيا وبالمقاومة الشعبية.

لن يأتي الاهتمام الدولي لتغيير الأمر الواقع ومواجهة إسرائيل، وحتى لحل الأزمة المالية الخانقة، دون حدوث تطورات على الأرض تقنع العالم أنّ الوضع لا يمكن أن يستمر هادئاً، ودون داعي للقلق. لن يواجه العالم إسرائيل إلا إذا تولى الفلسطينيون المواجهة.

تتمتع إسرائيل بهدوء غير مسبوق، والمطالع للصحف الإسرائيلية، يجد أن الصورة التي تقدمها هي فلسطينيون يدخلون إلى إسرائيل للعمل والسياحة، ورئيس وزراء يلجأ لوزير المالية ومحافظ بنك إسرائيل طلبا للنصح والمساعدة.

 الرد على الرسالة، هي بتصعيد الهجوم الدبلوماسي، وبالبدء بمقاومة شعبية، ولا يجب الانزلاق للبحث عن حل للأزمة المعيشية عند إسرائيل. 

الهدوء الراهن مليء بالأزمات ما يجعل العاصفة محتملة. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 29-8-2012

الارشيف