عدم الانحياز".. جديد حركة من الماضي‏


لعلّ استمرار عقد قمة حركة عدم الانحياز، والتي تنعقد غدا في طهران، أكبر مثال على فشل العالم في تجديد النظام الدولي. رغم ذلك فإنّ للقمة دلالات، خصوصاً في عصر الثورات العربية.

كان تأسيس الحركة عام 1961 في سياق الحرب الباردة والثنائية القطبية، ورفض وضع جميع الأوراق بيد أحد القطبين، الولايات المتحدة الأميركية، أو الاتحاد السوفياتي. وكان المؤسسون هم الهند بقيادة جواهر لال نهرو، والرئيس المصري جمال عبدالناصر، واليوغسلافي جوزيف تيتو.

لم تعد هناك ثنائية قطبية، وبالتالي لم تعد فكرة عدم الانحياز قائمة، كما أنّ واحدة من الدول المؤسسة (يوغسلافيا) لم تعد موجودة، ومصر عمليا، تشهد الآن "الجمهورية الثالثة" فقد أسس محمد أنور السادات، خَلَف عبدالناصر، جمهورية ثانية فيها نظام منحاز، يؤمن أنّ 99 بالمئة من "أوراق الحل" بيد أميركا، وعلاقات الهند الأميركية وثيقة جدا.

ليست هذه الحركة، حالة فريدة، بطبيعة الحال، بل إنّ الفريد هو وضع المنظمات الدولية الراهن، فنحن نعيش في مؤسسات ومنظمات تعود للماضي، ونظام لا يعبر عن موازين القوى وتوزيعها. والمثال الأكثر فداحة، هو الأمم المتحدة، وتحديدا مجلس الأمن؛ فالدول التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية لا زالت تحتفظ بموقع الأعضاء الدائمين في المجلس، أصحاب حق النقض (الفيتو)، بينما عمليا لم تعد هذه الدول، كما في حالة بريطانيا وفرنسا تتمتع بالقوة والأسباب التي أدت لاعتبارها من الخمس الكبار، والأهم أنّ دولا أخرى باتت صاحبة القول الفصل في كثير من الملفات الدولية لا زالت خارج نادي الكبار في الأمم المتحدة، وتحديداً ألمانيا، التي تتجه تدريجبا لتكون القائد شبه المتوّج للاتحاد الأوروبي، بفضل اقتصادها الكبير والمؤثّر، على عكس بريطانيا التي تعزل نفسها، وفرنسا التي تعاني ماليا واقتصاديا، وتنتظر موافقة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في كثير من شؤونها الاقتصادية.

يتوقع أن يكون الحضور في قمة "طهران" نحو 80 دولة من أصل 120، أي أن نسبة الغياب مرتفعة، مع تمثيل متواضع المستوى لبعض الدول، ولكن هناك حضورا نوعيا لزعماء، مثل الرئيس المصري محمد مرسي. رغم كل شيء فإنّ انعقاد القمة في طهران نكسة للدبلوماسية الأميركية، وفرصة لادّعاء إيران فشل كل جهود عزلها، وهذا ما يركّز عليه المسؤولون الإيرانيون والإعلام الحكومي الإيراني.

يتوق الإيرانيون لتوجيه رسالة أنّ تحالفات جديدة قد تظهر في العالم تعطيهم مكاناً مميزاً، فقد نشرت وكالة أنباء "فارس" الإيرانية مؤخرا حواراً مع الرئيس المصري محمد مرسي، أجرته قبيل ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية، قال فيه إنّه يجب استعادة العلاقات المصرية الإيرانية، وأكد أهمية التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي لتحقيق التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

نفى مرسي هذه التصريحات، لكن "فارس" نشرت تسجيلا صوتيا للمقابلة الهاتفية، ليتضح أنّه قال ذلك فعلا. ويمكن فهم النفي، بأنّه نوع من التراجع، أو على الأقل الحذر، وأنّ مرسي لم يقصد فعلا ما قال، أضف إلى ذلك أنّ مرسي قال ما قال باعتباره جزءا من الانفتاح على جميع دول المنطقة.

حديث مرسي هذا وما تبعه، يوضّحان حالة التأرجح والترقب، في المنطقة. وأنّ احتمالات جريان الرياح بما لا تشتهي واشنطن ليس خياليا تماما. فربما يكون هناك عوامل عديدة ضد وجود إيران في المنطقة، أبرزها الانقسام الطائفي الذي غذته إيران في العراق وغيرها، ومنها أنّ دول الخليج العربية تتخوف من سياسات إيران التي تدّعي حقوقا تاريخية في أراضي بعضها خصوصا البحرين والإمارات، ومصالح مصر ستتأثر مع هذه الدول لو وطدت علاقاتها بطهران. كذلك ربما كانت الأنظمة الجديدة، تعلن ليلا نهارا أنها لا تريد مواجهة مع واشنطن.

ولكن رغم ذلك فإنّ احتمالات تخلخل معادلات المنطقة الآن، وتحالفاتها أكبر من أي وقت مضى في العقدين الفائتين. ليس بالضرورة أن تكون التغيرات الجديدة بوجود طهران، وإن كانت طهران يمكن أن تتحول إلى ورقة في المساومات الدولية.

مدى تغير نمط علاقات التبعية، ومدى استقلالية هذه الأنظمة، وتعبيرها عن مصالح شعوبها موضع ترقب الآن، ومن هنا فإنّ فرص تشكل تكتلات دولية جديدة ليست مستبعدة تماماً.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 29-8-2012

الارشيف