عندما اكتسى الفضاء بلون الطين‏

 

بلغ عدد مشتركي "الفيسبوك" منتصف هذا العام أكثر من 950 مليون شخص. وفي أيار (مايو) الماضي، اكتست الشبكة باللون البني، عندما بدّلت أعداد كبيرة نسبيّا من مستخدميها صورة حسابهم (البروفايل) إلى رسم يرمز للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، حيث كانوا يخوضون إضرابا عن الطعام.أثار الرسم أسئلة منها: هل الرسّام ماسوني؟ هل يجوز تسميته بالفنان؟ وهل الفن مقاومة؟طُرح السؤال الأول في ذروة الحملة. وطَرَحت الثاني مديرة أمسية رمضانية ثقافية عُقدت في رام الله مؤخرا؛ فبدلا من الثناء على الضيف الذي تقدمه، كما العادة، تساءلت إن كانت تجوز تسميته بالفنان، بدون أن تقلل من احترامه بالطبع. أمّا الذي طرح السؤال الثالث، وتساءل إن كان الفن مقاومة، لماذا لم تتحرر فلسطين بعد كل هذا الفن؟ فإنّه الرسّام حافظ عمر نفسه، والذي ذكّرنا بمقولة ساخرة: "نحن أمة إذا غضبت غيرت صورة البروفايل"!تبادل ونشر البعض، عند انتشار الصورة، رسالة قالوا فيها إنّ الصورة ترمز إلى "العميان"، الذين تراهم الماسونية باعتبارهم "من لم يروا نور الحق والحكمة"، وأنّ الماسونيين يعنون برؤية النور "رؤية نور لوسيفر (أي الشيطان)، حيث يؤمن المتنورون -أو النورانيون- ممن يسيطرون على الماسونية بأن عيونهم تفتحت وأبصروا النور".تزامن إطلاق الرسم المذكور مع زيارةٍ لحافظ إلى عمّان، حيث يقيم معرضا فنيا. كان القلق يستبد به بعد ثلاثة أيام من انقطاع أخبار شقيقه الأسير. يقول إنّ صورة شقيقه مرتبطة في ذهنه باللون البني، لون ملابس المعتقل، التي يراه فيها كلما تمكّن من زيارته، والذي لطالما أدهشه بمعنوياته العالية، وإيمانه بما قام به، حتى ظنّه حرا وهو المعتقل. هو إذن الشقيق القدوة والمفقود في غَيابةِ الأسر عن الطعام والعين.يعيد حافظ البدايات إلى إضرابات الأسرى نهايات العام 2011، والتي توقفت مع إتمام عملية تبادل الجندي الصهيوني جلعاد شاليط. ثم "ظهر فرد واحد اسمه خضر عدنان، فوجدنا نحن كحراك شبابي أنّ لدينا مَهَمّة. شعرنا أنّ إحداث إضرابه تأثيرا يتطلب وجود حركة جماهيرية. عندما تَجيّش الإعلام البديل لنصرة عدنان، عرف العالم حقيقة ما يحدث في فلسطين.. كسر خضر إسرائيل، فرداً، ولولا نضاله ما استطعنا فعل شيء".هذه قصة صورة ولدت يوم 13 أيار (مايو) 2012. يقول الرسّام: ظهرت الصورة بعد 28 يوما من نضال الأسرى، و"هي ليست جميلة فنيّا".. أرسلها إلى صفحة "كلنا خالد سعيد" في مصر، ورغم انشغال شباب الصفحة الشديد بالانتخابات المصرية حينها، إلا أنّهم تبنّوا الصورة. غاب حافظ عمر عن "الفيسبوك" ساعات لإجراء مقابلة تلفزيونية، ثم عاد ليجده كما قالت "بي. بي. سي": مصبوغا بلون الطين.رسم حافظ صورة واحدة، وأضاف آخرون رسومات لأسرى بالحجاب، والنقاب، وشعر طويل، ولحية مُرسلة. يوضح هذا الاستنساخ بساطة الصورة ورمزيتها العالية، كما يعبّر عن نجاح الأسرى في اختزال الفروق والخلافات.ذكّر البعض في ندوة رام الله، أنّ مبدعين من وزن غسان كنفاني، كانوا يتساءلون عن قيمة كلماتهم وفنّهم أمام نضالات المقاتلين بالبندقية. أجابهم الإسرائيليون باغتيال الأدباء والإعلاميين، كنفاني وماجد أبو شرار وكمال ناصر، والمترجم الدبلوماسي وائل زعيتر، وأستاذ القانون باسل كبيسي، وآخرين. وهم من قتل الرسّام ناجي العلي، وحاولوا قتل كُتّاب وباحثين، منهم شفيق الحوت، وبسام أبو شريف، وأنيس صايغ.هناك فرق بين المقاومة والتحرير. الأول صمود وبقاء واستمرار وهوية؛ والثاني دحر للاحتلال. والفن والأدب والتعليم والزراعة وغيرها سبل صمود وتعبئة للمقاتلين. الأول أمر يقوم به الشعب والأفراد، والثاني يريد قيادة تستثمر وتوجه الجهود، ويريد إمكانات أكبر.اتهام الصورة السخيف بـ"الماسونية" نفهمه عندما نتذكر حملة مسّت الناشط المصري وائل غنيم الذي أدار صفحة "كلنا خالد سعيد"، وقَدّمت أدلة مضحكة من ملابسه ومظهره لتقول لنا إنّه عميل للماسونية، وذلك في إطار منظومة اجتماعية واقتصادية وأمنية لنظام بائد يدافع عن نفسه. نتذكر مقولة أجدها منسوبة لياسر عرفات تقول: "إن الثورة ليست بندقية ثائر فحسب، بل هي معول فلاح ومشرط طبيب وقلم كاتب وريشة شاعر". الثورة مقاومة وتحرير وأكثر.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 24-8-2012

الارشيف