هبرماس و"عالم الاقتصاد الموازي الشرير"‏

 

نشر يورغان هبرماس مطلع هذا الشهر، ومعه الفيلسوف جوليان ندا روملين، والاقتصادي بيتر بونفغر، مقالة تتحدث عن مستقبل أوروبا وسبل الخروج من المأزق الراهن الذي نشأ بعد الأزمة المالية العالمية.

الملاحظ أنّ المقال الذي نشرته صحيفة فرانكفورت ألجمانية ريتونغ، الألمانية، واقتبسته وترجمته صحف أخرى لاقى اهتماما كبيرا لأنّ هبرماس شارك في كتابته، كما لو كان هو كاتبه الوحيد، وكما لو كانت موافقة شخص مثله على أفكار المقال تكسبها قوة مادية. وينسجم هذا مع نظرة دوائر أكاديمية وإعلامية إلى هبرماس (83 عاماً) باعتباره الفيلسوف غير الرسمي للجمهورية الألمانية. وهو معروف جيدا بسبب نظرياته في الإعلام والديمقراطية، واشهرها فكرة "المجال العام" التي تتحدث عن أهمية وسائل الاتصال في المجتمع لإيجاد جدل ونقاش هو نوع من الديمقراطية الاجتماعية التي تؤدي لبلورة رأي عام يعمل بجانب المؤسسات التشريعية. ويشيع في العالم العربي الإشارة إلى هبرماس عند تحليل ظاهرة الفضائيات التلفزيونية العربية.

يمكن الحديث عن ثلاث أفكار أساسية في المقال ذات أهمية خاصة في الجدل الفلسفي والنظري العالمي الراهن حول مناهج الاقتصاد والسياسة.

أولى الأفكار هي الدعوة إلى بناء المؤسسات السيادية مقابل تقليص حرية السوق والاقتصاد، وعدم السماح للبنوك وشركات الاستثمار بتولي السيطرة على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويدعو هبرماس إلى تعزيز دور المؤسسات الأوروبية الرقابية السيادية المشتركة، ويعتقد أنّ هذا "سيقلل الممارسات الشريرة للعالم الموازي المتواري في الظل والذي أقامته البنوك وصناديق التحوط بالتوازي مع العالم الحقيقي لاقتصاد الخدمات والبضائع"، وهو ما يتطلب "أن ينهض سياسيونا ليمسكوا بزمام الأمر ثانية". يوضح مثل هذا المقال كيف أن الأزمة المالية العالمية ضربت من الناحية النظرية فكرة اللبرالية الجديدة القائمة على تقليص دور الدولة وإعطاء القطاع الخاص والشركات الكبرى، الدور الأكبر حتى في قطاعات الخدمات الأساسية مثل التعليم، والصحة. ويرى هبرماس أنّ تعزيز قبضة السياسيين، مهم لاستعادة الديمقراطية. وتنسجم وجهة النظر هذه مع فكرة  "سرقة الديمقراطية"، بتسخير المال والإعلام لخدمة أصحاب المصالح.

الفكرة الثانية التي يدعو لها المقال، هي أهمية الوحدة الأوروبية، وهو عمليا يدعو لتحول أوروبا إلى قوة عظمى، ويضع ذلك في سياق التنافس الدولي والمركزية الأوروبية الحضارية. ويقول كاتبو المقال إنّ "الوعي بحقيقة أنّ القوة السياسية تتنقل من الغرب إلى الشرق، والإحساس بأنّ العلاقات مع الولايات المتحدة تتغير، تتآزر لإبراز أهمية الوحدة الأوروبية العاجلة". ويقول "على شعوب أوروبا أن تدرك أنّ تجميع مواردهم حتمي إذا أرادوا ممارسة أي أثر في الأجندة السياسية الدولية، ولحل المشكلات العالمية. أما التخلي عن الوحدة الاوروبية الآن فهو انسحاب من المشهد العالمي".

الفكرة الثالثة، دعوة إلى إعادة النقاش حول الوحدة الأوروبية إلى المواطنين والأفراد باعتبار ذلك هو السلوك الديمقراطي، ثم إجراء استفتاءات حول الوحدة. ويبدو أنّ هبرماس ومن معه يحاولون استدراك حقيقة وجود رأي عام مضاد للوحدة الاوروبية في أكثر من دولة، وأن الاستفتاءات في بعض الدول أدت لرفض شعبي لها، ويريدون نوع من الحملة الشعبية لإقناع الشعوب بها، وزيادة دور المواطن في انتخاب واختيار هيئاتها.

يمكن إعادة تلخيص مقال هبرماس ومن معه، في فكرتين أولهما، تعزيز الحملة ضد الحرية المنفلتة للأسواق والدعوة إلى عودة الدولة لدور قيادي. وثانيها، تأكيد أهمية أوروبا الحضارية والسياسية. وعمليا تخدم الفكرتان اتجاه القومية الاقتصادية، والدعوة للتنافس القومي، ولكن بحيث تكون أوروبا لاعب موحد، وبما أنّ هبرماس يدعو لاستبعاد الدول الأوروبية التي لم تتبن عملة اليورو بعد من مخططه، بما في ذلك بريطانيا، فنحن نتحدث عن تنظير لأوروبا تقودها ألمانيا، وإلى أوروبا يسيطر فيها السياسيين وليس رجال الأعمال والمدراء.         

وضعت هذه الأفكار للحالة الأوروبية، ولكن لها أهميتها العالمية، التي تنطبق في حالات مثل العالم العربي، وذلك من حيث الدعوة إلى قطع الطريق على تيار اللبرالية الجديدة، الداعي لدول أضعف لصالح سوق أكثر حرية. وتصلح مثل هذه الأفكار أيضا لاستغلالها لمعاداة الديمقراطية على اعتبار أنّ بناء المؤسسات وقوتها اهمها من الحرية واللبرالية والانتخابات. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 23-8-2012

الارشيف