نظرية دور إسرئايل الإمبريالي‏

 

كتب رئيس الاستخبارات الإسرائيلية الإسرائيلي السابق عاموس يادلين، قبل أيام في "واشنطن بوست" أنّ على الرئيس الاميركي باراك أوباما أن يزور القدس لإقناع الكنيسيت، والشارع، الإسرائيليان، أن الولايات المتحدة ملتزمة بمنع إيران تطوير سلاح نووي.

مثل هذا المطلب ينبّه كيف أنّ مسألة الدور الوظيفي لإسرائيل تغيّر، أو أننا كنا نفهمه، أو نصفه، بشكل خاطئ.

طوال عقود كانت المقولة أو النظرية الشهيرة لدى ثوري العرب والعالم، أنّ إسرائيل هي رأس الحربة الإمبريالية، أو الشرطي، في المنطقة، زُرعت لمنع الوحدة العربية ولتقوم بالعمل على حماية مصالح الولايات المتحدة الأميركية، وقبلها بريطانيا، في الشرق الأوسط،.

دفعت الولايات المتحدة  في حرب الخليج (1990- 1991)، ثمنا لإسرائيل مقابل عدم المساهمة عسكريا في الحرب وعدم الرد على صواريخ الرئيس العراقي صدام حسين.

حاججت وتحاجج إسرائيل أنّها لم ولن تطلب من أميركا أن تخوض معاركها نيابة عنها، وأنّها في حالة حرب الخليج تلك، ورغم 39 صاروخ أرسلها صدام حسين ضدها استجابت لمناشدة واشنطن أن لا تدخل الحرب، انطلاقا من أنّ العرب المتضررين من سياسات صدّام، لن يوافقوا أن تقوم إسرائيل علنا بحمايتهم، وسيحرجهم هذا أمام شعوبهم، وهذا سيضر التحالف الدولي. لا يمكن تقدير كم حصلت إسرائيل ثمنا لموقفها في حرب الخليج، لأنّ الثمن مستمر، فمثلا أثناء تلك الحرب تقررت أمور تتعلق بشروط المساعدات، فعلى عكس دول كثيرة هناك قيود على طريقة تقديم المساعدات العسكرية، ومنذ الحرب تحصل إسرائيل على المساعدات بتحويل مالي خلال 30 يوم من إقرارها في الكونغرس، ما يمكنها من حرية استخدام المساعدة بما في ذلك استثمارها، أو جزء منها، في سندات خزينة أميركية، ما يعني الحصول على مساعدة مالية إضافية غير معلنة. وعدا مئات الملايين التي دفعتها واشنطن إضافة للثلاثة مليارات دولار من المساعدات السنوية المعتادة، زودت إسرائيل أثناء تلك الحرب، بمعدات وأسلحة، وطلبت من دول مثل ألمانيا وهولندا زيادة المساعدات المالية لها.

بعد حرب الخليج، بدا الأميركيون، وتحديدا لرئيس جورج بوش الأب، يريدون ممارسة ضغط، بتأجيل بعض التسهيلات المصرفية (ما عرف حينها باسم ضمانات القروض)، بهدف إجبار حكومة اسحق شامير الإسرائيلية حينها، دخول المفاوضات ومؤتمر مدريد لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، ولكبح جماح الاستيطان الإسرائيلي. 

هللنا عربيا للفكرة، أخيرا رأينا أنّ إسرائيل في الزاوية، وأيديها إلى خلفها، كما قال مسؤول فلسطيني حينها. حللنا وقتها الوضع السياسي، وقلنا أنّه بوجود القوات الأميركية في الخليج العربي بنفسها وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لم تعد واشنطن بحاجة لإسرائيل حارس للمنطقة، ورأس حربة للتدخل، وها هي البوارج الاميركية تتولى بنفسها مهمة شرطة المنطقة.

وقلنا أنه بعد التدخل العسكري لانهاء الاحتلال العراقي، لا يمكن استمرار ازدواجية المعايير لهذه الدرجة. وكتبتُ شخصيّا حينها أول مقال ينشر لي في حياتي في صحيفة "صوت الشعب" عن أن من أهداف التسوية منع صعود التيارات المتشددة في المنطقة، إذا بقيت قضية فلسطين عامل تعبئة واستفزاز للشارع العربي.

ربما يقهقه الإسرائيليون الآن. عندما احتل صدام الكويت لم يكن قد مضى على عودة بنيامين نتنياهو إلى إسرائيل من الولايات المتحدة سوى عامين وفي مؤتمر مدريد للسلام 1991 كان عضوا في فريق المفاوضات الإسرائيلي. فمسألة ضمانات القروض التي حاول بوش الأب استخدامها أداة ضغط، تبدو نكتة الآن في ضوء مدى توسع الاستيطان، وعدم انجاز عملية السلام، أو انسحاب من الضفة الغربية. تماما كما أنّ الرئيس أوباما تراجع على نحو مذل عن مطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان.

ما نراه الآن أنّ الفكرة لم تعد أن الأميركيين يوظّفون إسرائيل ويساندونها لتكون شرطي المنطقة نيابة عنها ولمصلحتها، وليس أنّها تغض النظر عنها، بل عليها أن تدفع لها، وأن تسترتضيها حتى لا تبادر لخطوات على نحو لا يستطيع الأب الأميركي مجاراته.

إسرائيل أكثر من أي وقت قضية أميركية داخلية، منها قضية خارجية تخضع لأسس تحليل السياسات الدولية، والرئيس الأميركي مطالب بإيضاحات لها ولشارعها كما هو مطالب أمام شعبه، وربما أكثر. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 22-8-2012 

الارشيف