سمبوسك" على الحاجز‏

 

تبادر إلى ذهنه موقف الدكتور محمود؛ الطبيب النفسي المواظب منذ مطلع الثمانينيات على زيارة الأسرى، بطلب من المحامين والمحكمة أو أهالي المعتقلين، لتقييم ومتابعة وضعهم العصبي والنفسي، وقوله إنّه منذ أول زيارة، وبعد مئات الزيارات، ما يزال يقرر في كل مرّة أنّ هذه الأخيرة، وذلك لكثرة العَنَت والعقبات التي يواجهها على يد السجّانين والجنود.

تذكّر أنّه في كل مرة دخل القدس للصلاة كان يتساءل: هل يجب أن أذهب مع كل هذا العناء والإذلال؟ ويسير في طريق وعرة، قذرة، موشكا أن يقع في مشيه ويتعثر، وعليه أن يتخطى جداراً ارتفاعه نحو 70سم. ويتساءل: هل هذه طريق؟ وهل سيكون بإمكانه بعد سنوات وتقدم العمر والوزن أن يقفز عن الجدار؟ أليس الاحتجاج واجبا؟

كانت الأجساد تتدافع وتلتصق على المعبر. وكما في كل مرة، فكّر في جدوى استحمامه قبل خروجه. تساءل أحدهم أمامه: "من يود "الموت" الليلة؟". رد "شيخ" يرتدي عمامة ورداءً أبيضين: "إذا كان هذا يغيظهم". وخلفه كان شاب صغير يمازح رفاقه قائلاً: بحسب النظرية العلمية، فإنّ الاندفاع من الوسط أسرع منه على الأطراف. كان يريد تطبيق قواعد جريان الماء والهندسة على هذا السيل البشري!

في سيارة الأجرة (السرفيس) من رام الله إلى قلنديا، قالت سيدة على الهاتف إنّها ستقضي الليلة في الدّعاء "عليهم"، وإن تمكنت ستذهب إلى الأقصى. ظنّها تتحدث عن الدعاء على الاحتلال في ليلة القدر، ثم تبيّن أنّها تبحث خلافا زوجيا! وفي السيارة أيضاً، قفز بجانبه شابان في حيّز لراكب واحد، ولكن ساعة الإفطار القريبة بررت التصاقهما به. وفجأة ابتعد الشاب عنه واعتذر إن تسبّبَ باتّساخ ملابسه. ظن الألوان على بنطال الشاب دهاناً، لكن الأخير أوضح أنّها طحين، ثم أخبرهم أنّ هناك "هوشة"؛ أي خلافا بين قريته وعائلة تسكن قريبا منها، وأنّ إطلاق النار مستمر منذ ساعتين ونصف الساعة، وعدد الإصابات تسع.

تكفي نصف الساعة الباقية لبلوغ القدس، وليلتحق بعدد من شبان العائلة لتناول الإفطار قبل الاعتكاف. ولكن موعد الأذان حان، والجنود يسدون المعبر. وعندما عبره، بعد ممرات القضبان والأبواب الدوّارة، كان الآلاف ينتظرون الحافلات. سمع فتاة تقول: "أخرجوا السمبوسك". شاهد أشخاصا يتناولون الحساء، ويأكلون، ويصلّون، في الطريق.

بمجرد دخول القدس تتوقف شبكات الهواتف الفلسطينية، ما يتسبب في ضياع الناس عن بعضهم. ذكّرته خطوات السائرين بخروج النكبة، ولكن هذه مسيرة عودة.

حصل بعد سير طويل على مقعد بجانب السائق في حافلة صغيرة مزدحمة. استغرب هدوء الجميع. أمضى الركاب الطريق في تبادل النكات والمزاح، ومشاهد الزحام توحي بصعوبة الوصول إلى المسجد.

أفطر مُتأخرا في مطعم بالبلدة القديمة. وصل الأقصى قرب انتهاء صلاة التراويح.. لم يجد موقعا لقدميه ليمشي أو يصلي؛ لجان النظام محتارة، والناس يتقافزون أمام المصلين، في بحث عبثي عن حيّز للصلاة أو المرور.

في الخروج بدت المدينة القديمة مهرجاناً: رائحة وأبخرة الشواء تعبق في المكان، صراخ الباعة، عصير الرمّان، وتسجيلات الأغاني والنشيد والدبكة.. لفلسطين.

عند عبوره قلنديا عائداً، كان شدّ الرحال إلى القدس مستمراً. وقعت عيناه على شاب يتحرك بعصبية كمن يبحث عن شخص ما، ظنّه فقد طفلا.. كان يصرخ لجذب انتباه المجندة، المحصّنة خلف الزجاج السميك، قائلاً: "البنت اللي كانت معي وين؟". وترد الجندية بالعبرية، فيصرخ بالإنجليزية، وترد بالعبرية. ثم ضغطت المجندة زرا في اللوحة أمامها، انفتح باب غرفة صغيرة، وخرجت فتاة ترتدي بنطالا وقميصا أخضرين، مع غطاء رأس. استعاد أنفاسه.. انفرجت أساريره.. وانحسر احمرار وجهه، وشخوص عينيه.. كانت المجندة قد أدخلت رفيقته غرفة تفتيش صغيرة، يرى ويسمع المجندون وحدهم من فيها خلف الزجاج السميك، وقد تصنّعت المجنّدة نسيان الفتاة، واعتذرت اعتذاراً ممجوجا.

تقدّمت فتاته بهدوء وابتسامة ماكرتين، تنبئ لهجتها "الفلاحية" الثقيلة عن أنّها من بنات رام الله المقيمات في الولايات المتحدة. وربما يكون هذا خطيبها أو مشروع زوجها. خاطبته بهدوء ومداعبة كعادتها: "والله! مفكرتش إنّك بتعرف تعصّب!". أمسك يدها ومضى أمام الجميع، لاعنا المجندة.

أهدوهما بدون قصد لحظة حبّ تعيش عُمراً.. سرت في دمائهما "هستيريا حصان" و"قوس عنفوان".

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 16-8-2012

الارشيف