حزب صندوق النقد الدولي وأولاده‏

 

في كتابها، (عقيدة الصدمة)، والذي تحول إلى فيلم، تنتقد نعومي كلاين اللبرالية الجديدة التي تؤيد تحرير الأسواق وتركها تنظم ذاتها مع كفّ أيدي الحكومات كليّا، وانتقدت بشكل خاص عالم الاقتصاد الأميركي ميلتون فريدمان المتوفى عام 2006، أي قبل سنة من نشر الكتاب. وتسرد كيف خرّج أجيالا من الطلبة في جامعة شيكاغو، (تسميهم أولاد شيكاغو)، ومنهم طلبة ساندوا انقلابا عسكريا في تشيلي عام 1973 لتنصيب رئيس يؤيد السوق الحرة ضد السياسات اليسارية التي كان يطبقها سلفادور اللندي، وذلك بتأييد المخابرات المركزية الأميركية وشركات كبرى، وتابع فريدمان توجيه طلابه، عندما تولوا زمام الأمور في تشيلي.

في الأول من أيار/ مايو الماضي، عُيّنت السريلانكية شارميني كوري، مديرة لمعهد تطوير القدرات، التابع لصندوق النقد الدولي، ويبدو أنّها تنوي تخريج جيلا من الطلبة ليقوموا بتنفيذ سياسات صندوق النقد الدولي.

في الفكرة اللبرالية الأصلية، يفترض أنّ السوق يقود نفسه وينتظم ذاتيا، ولا داعي لانقلابات، ومؤامرات. وتتعارض فكرة الانقلاب والحكم العسكري مع الفكرة اللبرالية الكلاسيكية حيث الأصل أنّ الحريتان السياسية والاقتصادية متلازمتان. لذا فإنّ لبرالية فريدمان غير نقيّة، وتقوم على زعمٍ يتبناه مسؤولون أميركيون ويروق لسياسيين حول العالم، مفاده أنّ التحرير الاقتصادي يمكن أن يحدث دون تحرير سياسي، وأنّ الحريات الاجتماعية والسياسية يمكن أن تأتي لاحقاً بعد الخصخصة والسوق الحرة ونتيجة لها. وهذا، في واقع الأمر، ما يهمس به المسؤولون والمستشارون الأميركيون في أذن حكام دول الخليج العربية على سبيل المثال، ويقال أنّ الصين نموذجٌ من هذا النوع، حيث هناك رأسمالية الدولة والعمل اقتصاديّا على أسس القطاع الخاص مع استمرار الشمولية والدكتاتورية سياسيا واجتماعيّا. 

أمّا صندوق النقد الدولي، فهو حارس على أفكار الحرية الاقتصادية والخصخصة، ولكن هذا يتعارض مع فكرة اللبرالية الكلاسيكية؛ ما يفعله الصندوق من ترك الأسواق لحريتها، هو إدارة الأسواق أكثر منه تحريرها.

عندما انشق فرانسيس فوكوياما، العالم الأميركي، عن المحافظين الجدد بسبب فشلهم في العراق، قال إنّ ما هو أهم من نشر الديمقراطية، هو بناء الدولة والمؤسسات.

تقول كوري الآن الشيء ذاته؛ فقد نشرَت قبل أيام مقالا على موقع صندوق النقد، بعنوان "تنمية المؤسسات.. نمو الشعب"، تتحدث فيه عن أنّ أهمية بناء المؤسسات في الدول باعتبارها أساس التنمية الاقتصادية المستدامة، وتتحدث عن أهمية الرقابة على المؤسسات المختلفة، من قبل الشعب، وتعرض كوري لما تصفه بمدرسة فكرية جديدة، اسمها "الاقتصاد المؤسساتي الجديد"، وتتحدث عن كتب وباحثين نظّروا للفكرة.

ما تطرحه كوري يتضمن أمران جديدان يستحقان الانتباه؛ الأول أنّ مسألة بناء المؤسسات ترتبط في برامج الصندوق بعمليات الاندماج الإقليمي، من مثل الاتحاد الأوروبي، وغيره من التجمعات وهذا يعني ميلاً لأن تحل كل منطقة في العالم مشاكلها الاقتصادية على حدة، فالأوربيون يواجهون الأزمة المالية الراهنة بتدابير ذاتية، وليس باللجوء لصندوق النقد أو غيره من المؤسسات الدولية، ومن هنا ليس مستبعدا، إذا تبنى الصندوق هذه الفكرة، أن نجده يدعم تفعيل وتوسيع مجلس التعاون لدول الخليج العربية قريبا، أو تطوير جامعة الدول العربية وإعطائها وظائف اقتصادية أكثر.

البعد الثاني والأهم أنّ كوري تتحدث عن تخطيط الصندوق لعدم الاكتفاء بتدريب موظفي الدول المختلفة على السياسات الاقتصادية، بل أن يتابع كيف استفاد هؤلاء الموظفون من التدريب، وهم يعملون، أي تتابعهم في عملهم. وحددت واحدة من آليات المتابعة، هي موقع انترنت جامع لهؤلاء الموظفين، ما يعني ضمنا إقامة اتصال بين الصندوق والموظفين بمعزل عن حكوماتهم وشعوبهم وبرلماناتهم. فيدعونهم لرحلات ومؤتمرات لمناقشة ما يجب أن يحدث، أو يتواصلون معهم الكترونيا.

هذا أشبه بصياغة "لوبي" من تلاميذ صندوق النقد، ضمن شبكة عالمية, تفكر بطريقة موحدة ومنسقة. والسؤال هل في هذا اعتداء على فكرة السيادة؟ وهل يحدد موظفٌ سياسات الدول (طبعا في اتجاه توصيات صندوق النقد وبالتنسيق معه)؟ وما هو موقع البرلمانات والحكومات والديمقراطية في هذه الحالة.

العلاقة بين منظمة دولية وموظف محلي بالالتفاف على حكومته وبرلمانه قضية تستحق التوقف، والتفكير. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 15-8-2012

الارشيف