ثورة مرسي الناعمة والحسابات الإسرائيلية‏

 

كنت أقرأ في حقيقة الأنباء عن تباين في تقييم الموقف إزاء الضربة العسكرية لإيران بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وجنرالاته العسكريين، عندما جاءت الأنباء عن تغيير الرئيس المصري محمد مرسي لجنرالاته، أو بتعبير آخر النبأ عن تعيين جنرالاته الجدد.  

كنتُ وأنا أقرأ التصريحات والتحركات الإسرائيلية إزاء إيران، واحتمالات استغلال قادة إسرائيل أجواء الانتخابات الأميركية لتوجيه ضربة عسكرية ضد مشروع إيران النووي، بالاستفادة من ضعف قدرة المرشحين على انتقاد إسرائيل أو لومها قبيل التصويت، أواظب على تفحص تاريخ أي تقرير أو خبر أو تحليل نشرته الصحافة ومراكز الأبحاث. والسبب، ببساطة، أنّ التقارير والأخبار والتحليلات والتصريحات وأنباء الجدل في إسرائيل ومع حلفائها الدوليين، تتكرر نفسها منذ أشهر، بل سنوات، وكذلك الحديث عن مناورات وتدريبات عسكرية إسرائيلية تنبئ بدنو الضربة العسكرية، كل هذا بدون أن يكون هناك شيء رسمي مؤكد. وكان من شبه الثابت أنّ الجدل وإثارة حالة الغموض تحقق بحد ذاتها لإسرائيل الكثير من الأهداف.

بدا أنّ إسرائيل تتابع سياساتها كالمعتاد، وبدا "الربيع العربي" خارج السياق، و"غير مهم"، ولا يؤثر في الحسابات.
هل سيعيد الإسرائيليون حساباتهم الآن بشأن إيران، أو أي ملف آخر، مع تغيير الجنرالات في مصر؟

ليس متوقعا أن يكون للتغيير في مصر أثر مباشر على التقديرات العسكرية الإسرائيلية. وليس متخيلا، مثلا، أن تغييرا في مصر سيؤدي إلى خلط الأوراق بشأن إيران. إذ إن مصر لن تدخل على خط مواجهة إيرانية–إسرائيلية، أو حتى أن تتخذ مواقف سياسية مؤثرة، لأسباب أهمها أن أولويات مصر مختلفة، وأنّ إيران لم تطور سياسة ودية مع الدول العربية تضعها في موقع الحليف. ومن غير المتوقع أي تقارب إيراني–مصري لأسباب عديدة، منها أن مصالح مصر مع دول الخليج العربية تجعل أي تقارب مع طهران سببا للقلق. كذلك، فإنّ موقف إيران المؤيد للنظام السوري يجعل التقارب غير متوقع.

ولكن التغييرات في مصر بالنسبة لإسرائيل تؤدي إلى هزة لا تقل عن تغيير محمد حسني مبارك، وصعود رئيس جديد. وواقع الأمر أنّ استمرار الوجوه القديمة في المجلس العسكري في مصر، كان سببا في طمأنة المسؤولين الإسرائيليين بأنّ التغيير في مصر كان محدود المعنى في المدى القصير، خصوصا من الناحية العسكرية.


المعنى الأهم للتغييرات الجديدة بالنسبة لإسرائيل سياسي وليس عسكريا. إذ إنّ فكرة المواجهة مع إسرائيل غير مطروحة، والقادة الجدد (محمد مرسي والإخوان المسلمون) أكدوا التزامهم باتفاقية السلام مرارا، وقرار التنحية يتعلق باعتبارات داخلية مصرية أكثر منه بقضايا الأمن القومي ببعده الخارجي. ولكن المهم أنّ الرئيس الجديد يغير الأمر الواقع، ويستكمل تغيير المشهد والمعادلة في مصر.

بالنسبة للمواطن المصري والعربي، فإنّ تغيير مرسي يخرج العسكر أكثر من المشهد السياسي، في موقف يحتمل السير في اتجاهين: الأول، استكمال تحول ديمقراطي ينجم عنه دولة مدنية قائمة على وضع دستور ديمقراطي حقيقي، وانتخابات نزيهة؛ فتغيير الجنرالات القدامى منطقي وينسجم مع ضرورات التغيير والتجديد. والاتجاه الثاني المحتمل، هو أن يكون ما يجري مقدمة لاحتكار السلطة، واستغلالها "لأخونة" المشهد السياسي والدستور المنتظر، على حساب باقي القوى، والأهم على حساب السير في اتجاه مجتمع مدني حقيقي. وستكشف الأسابيع المقبلة الاتجاه الحقيقي.

بالنسبة لإسرائيل، فإنّ البقية الباقية ممن اعتاد الإسرائيليون والأميركيون التواصل معهم في شتى الشؤون العسكرية والسياسية قد تغيروا؛ فالذين كانوا ينسقون استلام المساعدات الأميركية، والذين يمسكون الملف الفلسطيني في المخابرات، تغيروا، فهل تتغير سياساتهم؟ هل يُسحب الملف الفلسطيني مثلا من المخابرات؟

تغيير بهذا الحجم في مصر يفرض على الحسابات السياسية الإسرائيلية التمهل في رسم سياساتها الإقليمية، وإيلاء المزيد من العناية لمراقبة ما يحدث في مصر، وكيف يمكن أن يغير في المشهد. فهل نشهد حالة تباطؤ في السياسات الإسرائيلية في ملفات مثل إيران، واستهداف الرئيس الفلسطيني محمود عباس؟ وهل تجرى اتصالات لاستكشاف عمق التغيير، أم نشهد سعيا للاستعجال في حسم ملفات، وجس النبض، مثل توجيه ضربات في غزة، وتصعيد الاستيطان؟

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 13-8-2012

الارشيف