ناجي علوش ... في كل المراكب‏

 

تنتشر في بلدة بيرزيت في فلسطين هذه الأيام ملصقات تحمل صورة أبو إبراهيم، وتحيي نضاله القومي. وككثير من الأمور في البلدة لا يوقّعها أحد؛ فترى لوحات وعبارات ومشاريع وتبرعات لا تعرف من يقدمها، كأنما بتوقيع "فاعل خير". إحدى العبارات مطبوعة، على لوحة كبيرة تقول "نعيش في الخيال... يعيشون حالة إنكار"، هل هي جملة برغماتية، تطالب الفلسطينيين والإسرائيليين أن يصبحوا أكثر واقعية؟ إذا كانت كذلك فإنّه على مقربة منها نُصبٌ تذكاري لصدام حسين يمجدّه حاملا بندقية!

لعل سببا إضافيّا في أن تنشر بيرزيت صور ناجي علوش هو أنّه من أبناء هذه القرية أصلا، ولعل تنوع القرية هو ما نجده في سيرة أبو ابراهيم، الذي غادرنا قبل أيام.  

حظيت بمقابلة علوش رحمه الله، في مكتب ليث الشبيلات النيابي في الشميساني، نحو العام 1992، وكان يأتي إلى هناك بصفته أمينا عاما لحركة التحرير الشعبية العربية، التي كان قد أسسها نهاية السبعينيات. كان شارباه الكثّان الممتدان يتكاملان مع حقيقة فكره البعثي، القومي، اليساري، وكونه مفكرا مقاتلا عنيداً، لأخشى أني سأقابل إنسانا لن يكترث بي وأنا الشاب الجامعي حينها. سألته إن كان لديه نسخة من كتاب قديم له (أظن أنّه) "المسيرة إلى فلسطين" الصادر عام 1964، فوجدته سخيّا ودمثا، أخذ طلبي بجدية ولطف وأحضر لي نسخة مصورة. كان مما شدني للكتاب أني قرأت في مكان ما أنّه يتضمن فقرات مطولة من مجلة "فلسطيننا" التي كانت بمثابة أول منصة أطلت منها "فتح" على الناس مطلع الستينيات، وكان علوش يكتب عن أصحاب المجلة بدرجة من الانتقاد.  

كنت أجد موقفه الفكري لغزاً؛ كان قد انضم لحركة "فتح"، بعد العام 1967،  وأصبح قياديّا فيها لسنوات، بعد أن بدأ حياته "بعثيّا"، وكان ذو مرجعية ماركسية. ثم انشق داخل "فتح"، ثم تركها ليؤسس حركة قومية يسارية.     

يسجّل لفتح قدرتها في الماضي على احتواء الجميع، ويخبرنا نزيه أبو نضال في كتاب تضمن مذكراته صدر العام الفائت، بعنوان "من أوراق ثورة مغدورة"، عن العلاقة القوية بين عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، مسؤول الجهاز الغربي (الأرض المحتلة)، والقيادي في إعلام الثورة الفلسطينية، الذي استشهد عام 1973، كمال عدوان، وعدد كبير من المناضلين اليساريين والقوميين، منهم علوش، ومنـير شفيق، وماجد أبو شرار، وأحمد الأزهري، ونزيه أبو نضال، وحنا مقبل، إذ كان عدوان يؤمن أنّ "الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين"، و"يتجنب الدخول في التفاصيل والهوامش، أو الانشغال بما لا يجدي من النقاشات ليذهب إلى الهدف مباشرة". ولعلنا نتذكر هنا أنّ عدوان كان ذو مرجعية إسلامية إخوانية في بداياته.

يسلّط أبو نضال في الكتاب أضواء على مجموعات، لم تعجبها أفكار "فتح" أو قادتها المؤسسين، ولكن هؤلاء وجدوا أنها "باتت الآن حركة الشعب الفلسطينـي، وليست مجرد فصيل فدائي"، واعتقدوا أنّ "مهمة الوطنيين أن يصمدوا ويناضلوا لتخليص هذه الحركة منهم (قياداتها التاريخية)". ويوضح نزيه أبو نضال، كيف أنّ الحركة القومية العربية، أو شخصيات فيها، وجدت أنّ "فتح" غدت بمثابة  خيار، "مؤقت"، لحين إعادة التعريف القومي للصراع، واعتبروا "فتح" تجسيدا "للدور الفلسطينـي الطليعي والريادي" في تحقيق مهمة النهوض العربي.

بهذا المعنى ربما نفهم علاقة علوش وكثيرين مع "فتح" بأنّهم نظروا إليها كخيارٍ مؤقت، ولكن ربما هناك تفسير آخر قاله يوماً طالب مخضرم من الحزب الشيوعي الأردني لأستاذنا في الجامعة: "جرّب الفلسطينيون كل شيء؛ الفكر القومي، البعثي والناصري، وذهبوا إلى موسكو وصاروا سوفييتا وشيوعيين، وذهبوا إلى الصين وصاروا شيوعيين ماويين، وقصدوا فيتنام وكوبا، وصاروا وطنيين، وصاروا إسلاميين، وصاروا كل شيء ليصلوا إلى وطنهم".

جرّب علوش كثيرا، ودخل صدامات كثيرة، وتشير المراجع لاعتقاله من قبل ياسر عرفات، في مرحلة ما، وقد عارض التسوية مع إسرائيل بشدة. واختلف مع حليفه أبو نضال، الذي لم يكن يفهم سوى لغة الدم مع من ينهون تحالفهم معه، وبقي ينتقل من مركب إلى آخر، ولكنها مراكب عروبية قومية وطنية الهدف، تقود إلى العودة إلى بيرزيت.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 11-8-2012    

الارشيف