هل "تثأر" مصر بمنطق الدول الكبرى؟‏

 

أعلن أكثر من مسؤول مصري أنّ مصر ستنتقم وتثأر من منفذي الاعتداء على أفراد الشرطة المصرية في سيناء، الأحد الفائت؛ إذ تعهد الجيش المصري على صفحته الإلكترونية بذلك بالقول: "أقسم بالله أننا سننتقم من هؤلاء الجبناء"، ورأينا الرئيس المصري محمد مرسي على شاشات التلفزيون، يرافقه المشير محمد الطنطاوي قائد القوات المسلحة، وزير الدفاع، يدعو الجيش إلى "الثأر".

يبدو هذا الخطاب غريبا للوهلة الأولى، وليس خطاب دولة؛ فممن سينتقمون؟ ما حدث هو كما تلمح وتشير التصريحات المصرية عملية من فعل جماعات وعصابات إرهابية، وهذه لا مكان لها ولا بلد يرعاها للانتقام منه، وما يحدث في مثل هذه الحالة ملاحقة ومحاكمة وفرض قانون. ولكن بإعادة النظر يمكن أن تتحول فكرة الثأر إلى شيء بنّاء، يعكس تغير وضع مصر، ما بعد الثورة، ويؤكد مكانتها الإقليمية.

هل يكون رد مصر ما بعد الثورة، مختلفا عمّا قبلها، هل تتحرك القاهرة، بمنطق "الدولة الإقليمية العظمى"؟. فحتى لو اتضح وتأكد أنّ لعناصر في غزة دور، فإن منطق الدولة الإقليمية الكبرى يجب أن يختلف الآن في معالجة الأمر ولا يكون الانتقام بعقاب غزة، ثم ينتهي الأمر.

يقتضي منطق الدولة الكبرى، التحرك في ثلاثة اتجاهات؛ الأول الرد العسكري والأمني على العدو المباشر، ثم إعادة ترتيب البلد (مصر)، وثالثا ترتيب شؤون المنطقة وتغيير السياق والواقع الذي أنتج العدوان.

عندما ضُربت الولايات المتحدة في عقر دارها على يد تنظيم "القاعدة" ذهبت إلى أفغانستان وأنهت حكم "طالبان" وضربت "القاعدة". فهل ستخوض مصر حربا مفتوحة عل هذا التنظيم حيث حل؟! ربما تبدأ الخطوة الأولى بوضع مخطط مصري – إقليمي لتجفيف منابع الإرهاب. وإذا كانت جماعات العنف الديني بدأت في مصر بالدرجة الأولى، قبل أن تتحول إلى رافد مهم للسلفية الجهادية، فربما تتولى مصر دورا في ملاحقة هذه الجماعات، إذا ما تأكدت مسؤوليتها.

هناك أكثر من مؤشر إلى أنّ الإسلاميين الآخرين مثل "حزب التحرير"، والسلفية الجهادية سيشكلان الخصم السياسي الأكبر للإسلاميين الحاكمين في مصر وغيرها، وبعض هؤلاء ينتهج منحى سلميا سياسيا، وبعضهم عنيفا. فمثلا منذ الربيع العربي تحول العداء لفكرة الدولة المدنية التي نادى بها الإخوان المسلمون إلى محور خطاب "التحرير"، وتضع السلفية الجهادية في غزة العداء للديمقراطية في صلب فكرها وخصومتها مع "حماس". لذا ربما تكون ملاحقة الجماعات العنيفة أمنيّا، وقيادة جهد إقليمي أمني ركنا لهذه السياسة، ثم تأتي المحاججة النظرية ضد فكر التكفير والإقصاء المعادي للديمقراطية والذي يتهم "الإخوان" بالتعارض مع الإسلام.    

وإذا كانت قيادة جهد إقليمي ضد العنف باسم الدين، يمكن أن تشكل رافعة للتعاون مع دول وأنظمة المنطقة المتشككة من صعود الإخوان للحكم مثل بعض دول الخليج العربية، فلا بد من التنويه إلى أنّ هذا قد يكون سببا في الخلاف الإضافي مع حكومات عربية تعادي الإخوان بيد وتدعم السلفية بيد أو تغض النظر عنها؛ وقد دعمتها في وجه السوفييت حينا، وضمنا في العراق، وليبيا حيناً، وربما سوريا الآن.  

من جهة ثانية فإنّ سيناء خاصرة ضعيفة. فتنمية سيناء وإنهاء حالة الفلتان الأمني فيها أمر رئيسي، مدخله حكم القانون وتنمية الاقتصاد. ثم إذا كانت اتفاقيات كامب ديفيد مع الإسرائيليين سببا في ضعف التواجد الأمني والاستعدادات في سيناء فإن الخطوة الأولى فرض تعديل الاتفاقيات.

ثم ثالثا، إذا افترضنا أنّ الوضع في غزة هو السياق لنمو سلفية جهادية، تستغلها جماعات جهادية عالمية تمد يدها للعبث في سيناء أيضاً، فإنّ الدولة الكبرى هي التي تستطيع فرض التغيير، بدعوة حلفاءها في غزة ومعهم خصومهم في الضفة الغربية، وتفرض مصالحة حقيقية ثم ترعى برنامجا للتغيير الاقتصادي، والسياسي في غزة ككل، إن لم يكن فلسطين عموماً. ثم تتحرك لِلَجم إسرائيل، والضغط لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

إذا بقيت تصريحات القيادة المصرية دون تنفيذ، فهذا يعني أن لا فرق بين محمد مرسي ومحمد حسني مبارك، وبين نظام القاهرة ونظام "حق الرد" البعثي السوري، وأنّ مصر لا تستعيد دورها كدولة كبرى.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 8-8-2012

الارشيف