المرحلة الفلسطينية الانتقالية‏

 

يشهد السياق الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، الذي يصوغ الحركة الوطنية الفلسطينية، تغيّرا سيؤدي إلى بنى جديدة، ما زالت معالمها غير محددة، فيما تعمل إسرائيل لضمان اتجاه معين للأحداث.

يمكن تلخيص عوامل مرحلة التسعينيات من القرن الماضي على الصعيد الفلسطيني، بمجموعة نقاط، هي: تضاؤل يصل حد التلاشي للعمل الفصائلي خارج فلسطين، دون تجديد يذكر، بينما لدى الفصائل الإسلامية قرار بعدم الامتداد الشعبي التنظيمي. أمّا على صعيد فلسطين التاريخية، فإنّ ما حدث هو أولا تحول جزء كبير من الكادر المناضل إلى موظفين في أجهزة السلطة، وثانيا، تحويل شرائح كبيرة من الناس إلى مدينين للبنوك، وثالثا، توغّل الجمعيات غير الحكومية ذات التمويل الأجنبي، التي لن تدعم برامج تصب في مواجهة مباشرة للاحتلال، والتي تعاني مشكلات المساعدات الدولية التقليدية، من هدر ضخم في الرواتب والمصاريف على حساب المشاريع، وطلب ثمن سياسي للمساعدات، ورابعا، بروز الصدام الفتحاوي الحمساوي وما استهلكه من طاقات وإمكانيات.

تحتوي هذه العوامل كلّها بذور فنائها فيها؛ فغياب الفصائل ومنظمة التحرير في الشتات يعني فراغا لا بد أن يأتي من يملأه، لأنّ أسئلة وقضايا من نوع معاناة اللاجئين في العراق، ثم البرازيل، ومخيم نهر البارد في لبنان، والآن مخيم "اليرموك" في دمشق، لا يمكن أن تستمر دون جهة تتولى الشأن الفلسطيني, وهناك بالفعل حراكات شبابية قوية في الولايات المتحدة وأوروبا، لا تنتمي لفصائل. أما على صعيد تحول العمل في وظائف السلطة، والتحول من مناضل إلى موظف وضابط أمن، فإنّ هذه الوظائف تفقد جاذبيتها، وتتلاشي جاذبية المنصب والمواقع التي كانت تمنح للفدائيين والمناضلين في بداية عهد السلطة، وقد أسهمت حكومة سلام فياض، ربما دون قصد في هذا الأمر بحملات التقاعد التي قامت بها، فأخرجت الكثير من المسيسين من الجهاز البيروقراطي، ويكاد جيل العائدين بعد أوسلو يختفي من مؤسسات السلطة، أضف إلى ذلك أن من كان يدافع عن الحل التفاوضي وفكرة بناء الدولة لم يعد يدافع عنها، لأنّه ثبت أن إسرائيل والولايات المتحدة ستعيق ذلك، مما افقد التنسيق الأمني مبرراته وذرائعه. أما المنظمات غير الحكومية، فقد تطور تجاهها رأي عام سلبي تدريجيا. كذلك تنمو الحركة الوطنية الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948 بقوة، خصوصا مع تعمق مخططات التهويد الإسرائيلية.   

 والنتيجة وجود جيل جديد، خارج الفصائل، وخارج السلطة، وخارج المنظمات غير الحكومية. ربما يبحث الآن عن بديل في القطاع الخاص الصغير (المشاريع الصغيرة)، ويعمل في حراكات شبابية قصيرة العمر متغيرة الأهداف، وهذا كله يوجد شرائح جديدة خارج التركيبة التقليدية، ترفض فكرة حل الدولتين، ولا تتبنى أشكال النضال التقليدية، وتحديدا الكفاح المسلح.

تطور أطر عمل جديدة، عابرة للفصائل أو غير فصائلية، لديها خطوط عمل عريضة مثل المقاومة الشعبية، والعمل في أطر قانونية ودولية، أمر ممكن ولكن مساراته ما زالت غير واضحة؛ إذ بموازاة سيناريو تطور هذه القوى الجديدة وتحولها إلى آليات وروافع عصيان مدني ومواجهة جماهيرية شاملة، وآليات مقاومة بالإنتاج المنزلي والطاقة المتجددة، وتطوير حركة وطنية متناسقة في كل فلسطين التاريخية، هناك قوى تعمل في الاتجاه المعاكس.

حالة التهدئة المستمرة، إذا ما قُرِئت مع التوسع الكبير في منح تصاريح الدخول للقدس والمناطق المحتلة عام 1948، والأزمة المالية الطاحنة التي تجعل موعد الراتب الشهري الشغل الشاغل للناس، وانقطاع الراتب الذي يؤثر في مجمل الحركة التجارية والاقتصادية، مضافا إليها الأزمة المالية والاجتماعية داخل إسرائيل، كل هذا يوجد سيناريو العودة بالزمن إلى مرحلة ما قبل انتفاضة 1987، حيث الاحتلال منخفض التكاليف، وعمل الفلسطيني في إسرائيل والمستوطنات، وحل أزمته المعيشية بهذا العمل.

لم يمنع الاحتلال منخفض التكاليف، والوضع الاقتصادي الجيد نسبيا في السبعينيات والثمانينيات، اندلاع انتفاضة، فالاحتلال لا يمكن أن يكون له رد إلا المقاومة. ويبقى السؤال متى؟ وفي أي شكل؟

هناك الآن طيف عريض جدا من الشعب الفلسطيني، يعلن رفضه لكل التركيبات القائمة، من فصائل، وتهدئة، وهدنة، وسلطة، وتفاوض، ولكنه يبحث عن قيادة، وإطار، وبرنامج.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 7-8-2012  

الارشيف