بندقية للإيجار؟ قتل مجاني؟ أم حرب أشباح؟

من هم المستفيدون؟ من هم المتضررون؟ ما هي الدوافع؟

قُتل جنود عرب بينما يتناولون إفطار رمضان، أول أمس، في دولة يحكمها إسلاميون، وتوجه القتلة بآليات مصرية استولوا عليها من الجانب المصري إلى الإسرائيلي، في عملية لا تقتل إسرائيليا واحداً، وتذكّر بالخيال السينمائي، ولكنها تجعل الإسرائيليين "يَقتلون من قتل المصريين"، وتُغلق الحدود بين غزة ومصر، ويعلن الناطق باسم الرئاسة المصرية (الإسلامية)، الإقفال المصري، إلى أجل غير مسمى، بعد اتهام الجهات الأمنية أشخاصا تسللوا عبر الأنفاق من غزة، ليشتركوا مع أشخاص في سيناء في العملية. وتضطر "حماس" للمساهمة في الإغلاق بإعلان إغلاق الأنفاق منعا لهروب أحد من سيناء إلى غزة. 

لا يوجد مستفيد من العملية أكثر من الإسرائيليين، فالقتلى مصريون، والعلاقة بين غزة ومصر المحكومتين "إخوانيا" تتعرض لمطبّ صعب، فالهجوم يعطي مصداقية لادّعاءات أجهزة أمن العهد السابق التي كانت تحمّل غزة وزر أي عملية تحدث في مصر. الآن بات على الحكام الجدد أن يشُكّوا بشأن حقيقة ما يحدث في غزة، وأن يجدوا أنفسهم، في موقع المتردد بدل موقع الباحث عن طريقة لتخفيف الحصار.

وضع عنوان "هآريتس" أمس المصريين والإسرائيليين في صف هدف واحد، إذ تقول الصحيفة: "اعتداءات سيناء تؤكد أنّ الإرهابيين الإسلاميين يستهدفون المصريين والإسرائيليين". ومثل هذه الرسالة ستوجّه بقوة للشارع المصري لتحريضه ضد غزة والفلسطينيين، وليصبح أكثر تقبلا لحصارهم. وعلى صعيد التوظيف السياسي سارع مسؤولون إسرائيليون لاتهام إيران بالمسؤولية عن العملية، في اتهام يتناقض مع اتهام أطلقه أيضا مسؤولون إسرائيليون عن مسؤولية شبكات جهادية عالمية.

قتلت إسرائيل صباح يوم العملية ناشطين في غزة بقصف من طائرات، بزعم أنهم جهاديون سلفيون، كان لهم دور في هجوم من سيناء على الحدود الإسرائيلية قبل أسبوعين، ويعدون لهجوم جديد. من سيلوم إسرائيل وهي تكرر عملياتها هذه، إذا ما نجح الربط بين أعداء الجيش والشعب المصريين وهذه المجموعات؟

كان ضابط وجندي الجيش المصري يتردد قبل هذه العملية في ضبط أي مسلح يستهدف الحدود الإسرائيلية، فهل سيترددون الآن؟ سواء لأن أحدا من غزة له يد أو لأنّه سيقال له هذا؟ هل سيغضون الطَرْف عمّن ينتقل تهريبا بين غزة ومصر، وبالعكس، ولأي سبب إنساني أو تجاري. وكيف يمكن للرئيس المصري الجديد أن يجادل ضباط الجيش القدامى بشأن تقييماتهم للموقف في سيناء وغزة؟!.

تذكّر العملية بالتعبير الشهير، "بندقية للإيجار" وهو عنوان كتاب باتريك سيل، عن صبري البنا (أبو نضال)، ومنظمته "فتح – المجلس الثوري"، حيث للعمليات أهداف كثيرة، تخدم غالبا العدو الإسرائيلي، باغتيال قادة فلسطينيين، أو دوليين، وتقديم مبررات لردود فعل إسرائيلية، وذلك نكاية بالخصوم الفلسطينيين، أو عملا لصالح أنظمة ما، وصولا لاحتمال العمل لصالح إسرائيل، إمّا عمالةً صريحة، أو التقاء مصالح.

وقعت خلال العامين الماضيين عمليات على الحدود المصرية الفلسطينية (مع إسرائيل)، بقيت تفاصيلها وأهدافها وأبطالها غامضون، ولا تعلن نتائج التحقيقات، وتبدو كعمليات الأشباح، فهل سيكون لهذه العملية المصير نفسه؟

ولكن هناك إفرازات جانبية للعملية، ونتائج غير مقصودة؛ فأولا، سيتم الانتباه أكثر إلى أنّه ليس كل من يطلق الرصاص مناضلا، وأنّه يمكن أن يكون أحياناً مخطئا، أو مُضلَلا، أو عميلا. وثانيا، سيتضح أنّ أي نظام مصري مضطرٌ لتقديم الموضوع الفلسطيني في سلم أولوياته، دون تأجيل.

الإدارة السليمة للأزمة هي المعالجة السياسية، بجانب الأمنية؛ أن تدرك القيادة المصريّة، أنّ ما كان ممكناً قبل العملية ليس مقبولا بعدها. فالعلاج أو الوقاية، يتطلبان إنهاء العوامل والأجواء التي قد تؤدي لأن يصبح لأحد في غزة مثل هذا الدور، أو أن يصبح متهما به زوراً. وهذا يتطلب التعجيل بمعالجة الشأن الداخلي في سيناء، وأن تتولى القيادة المصرية دورا أكبر، ومباشرا، في ترتيب البيت الفلسطيني، بفرض المصالحة، وإعادة عجلة الحياة السياسية الفلسطينية، وتكوين حكومة وحدة وطنية، وإنهاء الانقسام والحصار على غزة، وإنهاء ظواهر الأنفاق، وغيرها، مما يُوجد أجواءً قد تسمح للتطرف، واختراق "القاعدة" وإسرائيل أو لتبرير اتهام فلسطينيين بكل حادث.   

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 6-8-2012 

الارشيف