طاحونة موسى‏

 

بعد أيام ستبدأ طاحونة للقمح غرب القدس بالعمل بعد توقفها 119 عاما.

هل هناك رمزية ومعانٍ لذلك؟

أسس المطحنة موسى موتنفيوري، الذي صنع لنفسه أسطورة شخصية. ولكن قصته تكشف تناقضات وتخبط وبرغماتية الفكرة الصهيونية، كما تكشف تناقضات وتخبط وبرغماتية الأداء العثماني التركي وحتى العربي أحياناً من هذا المشروع.

 تقول المعلومات عن حياة مونتفيوري الشخصية أنّه عاش 99 عاماً، (1784- 1885)، كان طوله 1.92 متر، جهوري الصوت، إيطالي المولد، جعلت منه تجارته في سوق الأسهم رجل أعمال انجليزيا ثريا. وكان نسيبا لعائلة روتشيلد الثرية المشهورة، وزوجته جوديث، تبدو رفيقة دربه، يصحبها معه دائماً وتشاركه مشاريعه وأفكاره، وتكتب مذكراتها عن زياراتها فلسطين. حتى أنّ جزءا من أجندة زيارتهما الأولى لفلسطين نهاية عشرينات القرن التاسع عشر، أي وهو في أربعينياته، كان زيارة قبة راحيل، قرب بيت لحم، حيث وبحسب المعتقد الشعبي تساعد القبة النساء على الحمل، فلم يكن لديهما أولاد، وتبرعا للقبة. ولكن سيرة الرجل التي تتضمن وشمه القدس على ملابسه، وعربته، وحتى سريره، في لندن، تتضمن أيضاً قصص عشيقات ومغامرات جنسية، منها إنجابه لابن من خادمته المراهقة وهو في ثمانينياته. 

شكّل مونتفيوري لبقية اليهود نموذجا لليهودي الناجح؛ زاوج بين كونه شخصية إنجليزية مرموقة وكونه يهوديّا، ينتقل بين عواصم العالم ليناقش قضايا اليهود، يستقبله السلطان التركي في اسطنبول باحترام، ويزور روسيا. ولعل مشهد دخوله القدس عام 1939، يجسد أحد أبهى لحظات حياته، فقد وصل ومعه جوديث صيفاً، يحملان مالا وفيرا، ومسدسات لحماية المال، ليجدا أنّ وباءً يسري في المدينة، فبقي خارجها في جبل الزيتون، يستقبل مئات الزوار يستمع للشكاوى، ويوزع المساعدات، وعندما انتهى المرض دخل المدينة على فرس أبيض في موكب مهيب يستقبله أعيان الطوائف المختلفة والحاكم التركي. ولكنه عندما حاول عام 1855 أن "يفطم" اليهود عن المساعدات ويحولهم إلى العمل، هاجموا المخيم الذي بناه ليقيم فيه أثناء زيارته، وكادوا يهددون حياته. وفشل في هذا العام مشروعه لبناء سكك حديدية بين يافا والقدس، مع أنه كان قد اشترى السكك والقطارات. ولكنه في هذا العام اشترى من صديقه الحاكم التركي أرضا، غرب القدس، وكان يخطط لبناء طاحونة ومستشفى عليها.

ليعود بعد عامين في زيارة خامسة يحمل مواد بناء ضرورية لمشروع الطاحونة عساه يؤمّن فرص عمل لليهود. وليبدأ التشييد، معتمدا على أمواله وعائلة روتشيلد ويهود أمريكيين، عام 1959 وليبني بدل المستشفى ملجأً للمشردين والمحتاجين من اليهود. وهنا تتفاوت التفسيرات في سبب فشله؛ فبينما تشير مصادر إلى أنّ اليهود لم تعجبهم فكرة السكن خارج القدس القديمة، واعتبروا أنّ "القداسة" هي فقط داخل الأسوار، كما أنهم عارضوا فكرة العمل على اعتبار أن وجودهم للصلاة نيابة عن يهود العالم كاف ليستحقوا مساعدات هؤلاء، تشير مصادر أنّ لصوصاً هاجموا اليهود هناك، وأنّ العرب استفزهم المشروع وعملوا على مهاجمته ومهاجمة اليهود. أما الطاحونة فمن بين أسباب توقفها عدم وجود هواء كاف في الموقع، ولخلل في تصميمها التقني.

لم يكن الخروج من القدس القديمة التحدي الأول للحاخامات التقليديين؛ ففي عام 1855 أصبح مونتفيوري أول يهودي، كما تزعم مصادر، يدخل منطقة الحرم الشريف، وذلك بحماية جنود صديقه الحاكم التركي، ولكن حتى لا يخالف فتوى الحاخامات التي تحرّم دخول ما يسمونه "جبل الهيكل" على اليهود، حتى لا يدنسوا مكان "قدس الأقداس" الذي لم يعد معروفا، فيطأه دون قصد، حُمِلَ على كراسٍ خشبية، فلم تمس أقدامه الأرض.

هذا الأسبوع عُقدت في الكنيست ورشة عمل دراسية تجادَلَ فيها حاخامات وسياسيون حول مشروعية الصلاة في الحرم الشريف (جبل الهيكل بحسب الزعم اليهودي)، لأنّ الفتاوى اليهودية التقليدية تمنع هذا لأسباب تتعلق بشروط الطهارة، التي اختلت بسبب المذابح التي تعرض لها اليهود، ولم يصل المتباحثون إلى اتفاق.

لعل إحياء الطاحونة بتقنيات حديثة، رد اعتبار، حتى لو لم يكن مقصودا، لمبادرة مونتفيوري توسعة القدس، وهو ما كان حاخامات يرفضونه. ومن غير المستبعد أنّ يكون إحياءً لفكرته في التحايل على فتاوى منع دخول الحرم.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 3-8-2012

الارشيف