لماذا سمحوا بدخول الأقصى؟‏

 

كان موضوع الحديث في وسائل المواصلات، في الطريق من رام الله إلى المسجد الأقصى: لماذا "سّهل" الإسرائيليون على الفلسطينيين دخول الأقصى في رمضان هذا العام؟ ويتردد السؤال ذاته في شوارع الضفة الغربية.

ما يسمى تسهيلات هو تقليص نسبي في التعسّف والعنصرية في منع الفلسطينيين من دخول القدس؛ فقد قررت إسرائيل هذا الرمضان السماح لكل من تجاوز سنّه الأربعين عاماً من الرجال، وللنساء من كل الأعمار، دخول القدس لصلاة الجُمع وليلة القدر، دون تصريح مسبق، وكما هو معروف فإنّه بعد دخول المدينة يصبح التنقل ممكنا (وليس مسموحا) في شرق القدس وغربها، وربما مدن أخرى.

تتراوح وتتمازج فرضيّات حقيقة الموقف الإسرائيلي، بين الإشارة إلى حالة الهدوء الأمني، ومحاولة تنفيس حالة الاحتقان عند الفلسطينيين، وبين أنّ الوضع الاقتصادي صعب في إسرائيل، ودخول الفلسطينيين القدس سيترجم في حركة تجارية، ليس في القدس الشرقية حيث العرب، بل وفي الجانب الغربي حيث المتاجر الإسرائيلية. ويوضّح متحدثون أنّ الأسعار لدى الجانب اليهودي أقل من مثيلتها العربية، ما يدفع فلسطينيين للشراء من هناك، وهو واقع مؤلم وجارح، ولكنه موجود، إذ تسهم الضرائب الهائلة التي تُفرض على التاجر العربي أن يرفع أسعاره مقابل اليهودي الذي يحظى بامتيازات عديدة. وبالنتيجة امتلأ الأقصى يوم الجمعة الفائتة بشكل كبير نسبيّا، وعاشت جوانبه أجواءً كرنفالية بين الصلوات، حيث يلتقي الناس ويتحادثون ويتعارفون، وكثيرون يدخلون الأقصى لأول مرة منذ سنوات طويلة، لذا فالحدث فريد بالنسبة لهم، ويسارع البعض بين الصلوات (يمكث جزء كبير من الناس حتى صلاة العشاء) للتجوال في القدس القديمة أو حتى خارج الأسوار.

في الأثناء سُمح لمتطرفين يهود بدخول متكرر لساحات الحرم وأداء صلوات والتجوال هناك، وهو أمر لم يكن مسموحاً في الماضي على هذا النحو المتكرر. وكان يوم الأحد الفائت يوم صيام عند اليهود (لمدة 24 ساعة، تختتم تسعة أيام يمتنعون فيها عن أمور مثل الحلاقة، وأكل اللحم، والاستماع للموسيقى، وربما السباحة وأمور أخرى) إحياءً لما يسمونه ذكرى خراب الهيكل (سنة 70 ميلادية). في هذا اليوم منعت الشرطة الإسرائيلية مائتي يهوديا قصدوا المسجد باعتباره موقع "الهيكل" اليهودي المقدس، من الدخول. إذ بحسب مصادر هذه الشرطة كانت هناك مؤشرات أن الجانبين العربي والإسرائيلي مستعدان للدخول في صدامات عنيفة. كال عناصر اليمين الصهيوني الديني الاتهامات لشرطتهم، ووصفوها بالعنصرية، وممارسة الأبارتهايد (التمييز) لصالح المسلمين. ويتحدث الإعلام الصهيوني عن مشاريع يقوم بها الوقف الإسلامي في باحات الأقصى، يعتبرون هدفها "طمس المعالم اليهودية" هناك!.

 لا تجد هذه الأخبار بالعربية، تماما مثلما تقرأ في الصحافة العربية عن دخول مستوطنين ومتطرفين بشكل غير مسبوق من حيث تكراره اليومي خلال رمضان الحالي، وعن مشاريع إسرائيلية لتحويل باحات الأقصى إلى ساحات عامة وحدائق، تمهيدا لجعل دخولها حرا لليهود، دون مصادر رسمية واضحة، مع صمت إعلامي إسرائيلي.

كثير من الأخبار حول ما يحدث في القدس تسمعه من جمعيات نشطاء من الجانبين، وليس من مصادر رسميّة، وأثناء دخول المصلى المرواني يتحدث الناس عن عملية التنظيف، وإعادة فتح المصلى الواسع القريب من المسجد الأقصى وفي ساحاته، بدرجة عالية من الصمت والمفاجأة للإسرائيليين.

ينعقد اليوم الخميس مؤتمرٌ في الكنيسيت الإسرائيلي، يحضره باحثون وحاخامات إسرائيليون وسياسيون، هدفه مناقشة فتوى يهودية قديمة منذ أكثر من ألفي عام، تمنع اليهود من دخول منطقة الحرم (الهيكل)، باعتبار أنّ هناك شروطا لم تتحقق بعد ليتطهر اليهود ويصبحوا مؤهلين لدخول الموقع.

يسجل الفلسطينيون حضورا مكثفا في القدس أيام الجُمع، ويوجهون في ذلك رسالة. وهناك في الوقت نفسه محاولات صهيونية غير مسبوقة لتغيير واقع المسجد، بما في ذلك تغيير الفتاوى الدينية والقوانين الإسرائيلية الخاصة بالموقع.

حالة التخمين والفوضى في المعلومات حول الأقصى، وتلقائية وشعبية الذهاب للحرم الشريف، والحديث عن تجارة اسرائيلية تزدهر بسبب هذا، كلّها مؤشرات غياب الجهد الرسمي، وغياب الفصائل والحركات السياسية الفلسطينية والإسلامية الرسمية عن عمل لتأطير الجهد الشعبي، والتعامل المنهجي مع القضية، مع استثناءات قليلة.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 2-8-2012       

الارشيف