هل بلغ الفلسطينيون عصر "ما بعد الفصائل"؟‏

 

بات سؤال دور الفصائل والفصائلية في العمل الفلسطيني موضع بحث، ربما أكثر من الماضي، والإجابة العامة أنّ الفصائل لا زالت في موقع القوة الأولى، ولكن فاعليتها في تحقيق الأهداف الوطنية، ومستقبلها أمر آخر.

أضعفت بعض الظروف والعوامل الفصائل عموماً، وقللت فعاليتها؛ ومن هذه العوامل، أولا، "ثنائية الحركي والحكومي" (ثنائية المقاومة والسلطة) الصعبة؛ ففي حالتي "فتح" و"حماس" أصبحت السلطة التي يفترض أنّهما يسيطران عليها منافسة للفصيل. فقد تحوّل جزء كبير من كوادر حركة "فتح" في الضفة الغربية، خصوصاً في سنوات سابقة، إلى موظفين ورجال أمن، على حساب الدور الحركي والثوري، ثم وباستلام سلام فياض الحكومة، أصبحت الحركة تبدو في كثير من الأحيان على خلاف مع حكومة هي قاعدتها التنظيمية والشعبية. وأصبح اسماعيل هنية وحكومته في غزة مركز قرار مستقل أو موازٍ للحركة. وطالما استمر الانقسام لن يتغير هنية، ولا توجد لدى "حماس" نفسها آلية لتغييره، وهو لا يمانع أن يتحرك دوليا بما يتعارض ويتقاطع أحياناً مع حراك قادة الحركة في الخارج، ولم يتضح الخلاف بين قيادة الخارج والداخل بهذه الشدة إلا بعد أن أصبحت هناك حكومة. وتحول كثير من كوادر "حماس" أيضا إلى موظفي سلطة وضباط أمن في غزة، شأنهم شأن "فتح" الضفة. أضف إلى ذلك أنّه عندما أصبحت الحركتان "حكومة" أصبح التنسيق الأمني من جهة، والتهدئة من جهة ثانية عائقا أمام الوجه والمضمون الثوريين للحركتين.

العامل الآخر الذي يقلل من جاذبية الحركتين، هو أننا نعيش "عصر ما بعد الإيديولوجيا"، حيث الاتجاه العالمي لتراجع الفصائلية والحزبية والإيديولوجيا. وهذا ما جسدته موجات الربيع العربي حيث يصعد ناشطون بدون انتماء سياسي حزبي أو فكري، ليشكلوا رافعة للتغيير. وفي الماضي كان العمل الوطني الفلسطيني يعني في الغالبية الساحقة من الحالات أن الشاب لا بد أن ينتمي لفصيل ما. أمّا الآن فإن العالم الراهن لم يعد يرى الفصائلية والمنظمات إطارا حتميّا للعمل، وتشكّل شبكات التواصل الاجتماعي، واللجان الشعبية المحلية، والمنظمات غير الحكومية أطرا بديلة للعمل.

عامل ثالث، أنّ جزءا كبيرا من طاقة الفصيلين وجهودهما تُستهلك في الصراع الداخلي بينهما، بدل مواجهة العدو، وهو ما يجعل فئات اجتماعية تُؤثِر الحياد والابتعاد النسبي عن الطرفين.

في مثل هذا الشهر قبل عامين، وقبل الربيع العربي، كتبتُ مقالا عنوانه "ما بعد الفصائل... ما بعد الحداثة"، ناقشتُ فيه جزء مما ذكر أعلاه، وأشرت يومها كما أشار قرّاء إلى أنّ عنصر قوة الفصائل الأول، هو أنّ حركات المجتمع المدني، وجماعات شبكات التواصل الاجتماعي، لا تشكّل بعد حركة تحرير، وأنها ربما تكون جزءا من المعادلة بجانب الفصائل، وليست بديلة. ثم جاء الربيع العربي، ليتضح أنّ مقولة ترددت كثيراً ومفادها أنّ هذه المجموعات "حركات احتجاج وليست حركات تغيير"، قد سقطت، وأصبحت هذه قوى تغيير، ولكنه تغيير للمجهول والتجريب. (مع الأخذ بالاعتبار أن العسكر الذين كانوا يقودون الانقلابات في الماضي باسم الأيديولوجيا كانوا يسقطون أيضا في المجهول والتجريب).    

شهد العامان الفائتان تطوراً دراميّاً في أداء القوى الجديدة، ويمكن القول إنّ هذه القوى اكتشفت ثغرات كثيرة في أدائها، يسببه الافتقار للقيادة، والبرنامج، وانجراراها أحيانا لتمويل وعلاقات أجنبية، تثير تساؤلات وربما شكوكا. (حتى الفصائل تقع في المحظور ذاته عند العلاقة مع القوى الدولية والإقليمية)، ولكن أهم ما تقع به القوى الجديدة هو التشظي، وهو يجعل قدرتها على الاستمرارية في قيادة الجمهور أقل، ويُبقي للفصائل والأحزاب قوتها، كما رأينا في انتخابات تونس ومصر، وهو أمر نشاهده في فلسطين وبلدان أخرى.

لا يمكن في اللحظة الفلسطينية الراهنة تجاوز حقيقة أنّ الفصائل وتحديدا الفصيلان الأكبر "فتح" و"حماس" هما القوة الأولى على الأرض من حيث شعبيتهما وحشدهما للأنصار، فبغض النظر أكان هؤلاء الأنصار راضون عن وضع الفصيلين أم لا، فإنّ الحركتين تشكلان مرجعية معينة، وحتى الفصائل الأصغر لا زالت أقدر على المعارضة، وهما أصحاب القرار الفلسطيني.

ربما يأتي عصر ما بعد الفصائل مستقبلا، ولكنه لم يأت بعد. 

نشر في الغد الاردنية بتاريخ 1-8-2012

الارشيف