بلعين... بعد الفيل وأخته.. وبوجود الضبع‏

 

في 17 نيسان 2009، كان "باسم" الشهير بلقب "الفيل"، يحتج برفقة قلة من متضامنين دوليين وفلسطينيين قرب الجدار الذي يبنيه الاحتلال، مرتديا قميصاً رياضياً أصفر اللون، وبنطالا رياضيا.. صوّب الجندي قنبلة الغاز إلى صدره وقتله.. صاح مرافقوه: الفيل... الفيل.. الفيل...

اليوم، في نقطة استشهاد "باسم" قبر رمزي صغير فارغ، وعلى بعد خطوتين عمود إنارة مضاءٌ بالطاقة الشمسية. يشرح الفلسطيني حامل الجنسية البريطانية، وخبير الشؤون البرلمانية الذي عمل في الدوائر البرلمانية البريطانية، سنوات وعاد إلى فلسطين، يرفض مغادرتها؛ سيُسَمى هذا الشارع "شارع الحرية"، وستُضاء أعمدته بالطاقة الشمسية، وهذا جزء من مشروع متكامل، أهلّي التمويل، لاستخدام الطاقة المتجددة، والانفصال عن الاحتلال.

مطلع العام 2011، كانت "جواهر" شقيقة باسم تخبر والدتها أنّها متعبة بعد استنشاقها الغاز، وتغادر المسيرة عائدة إلى البيت، لتشعر بتوعك واختناق.. حتى تصل المستشفى في وضع حرج، وترتقي شهيدة..

هذا الأسبوع، لمحتُ الفتاة القادمة من الولايات المتحدة، لأب وأم عربيين، غير فلسطينيين، وتحمل الجنسية الأمريكية، تتحدث همساً لمضيفنا أحد "طلائع" الكفاح المسلح في الماضي، والذي مارسه بيده وأشرف عليه سنوات، رأيته يشير لها في اتجاه ما.. بعد دقائق لمحتها تقف بخشوع أمام قبري "باسم" و"جواهر"، وتقرأ الفاتحة.. فيما صديقنا صاحب الخبرة البرلمانية، والقائم على مشروع "فلسطين الخضراء" يحمل البراميل البلاستيكية الفارغة، في المشروع الذي يجري إنشاؤه في القرية، ويعفّر نفسه بالتراب الذي يحب..

بعد قليل، جاء أشرف، شقيق باسم، بعد أن أرسلنا فتى في طلبه.. وإذ بهذا الشاب الذي يبدو بسيطاً، الملقب بالضبع، هو ذاته!. هو الذي وصفته الضيفة/ الشريكة، القادمة من الولايات المتحدة بـ "تشي جيفارا".. هو الذي عصَبَ الجنود عينيه يوماً وأطلقوا النار عن بعد خطوة على قدمه.. وهو ذاته الذي قفز يوماً وتعلّق "بكف" الجرافة التي جاءت تقتلع الزيتون، معيقا عملها لساعات.. كان يخبرنا عن دروس المسلكية الثورية، والسياسة والتاريخ التي تلقاها في المعتقل، الذي خرج منه حديثاً، عندما أشار لنا لدخول البقالة المجاورة، كان هناك أحد أبطال بلعين الذي اعتُقل وتحدثت الصحافة مطولا عن قصته، كان يَشغَلُ مكان صاحب البقالة الغائب لأداء العمرة..

يوم استشهد "باسم"، كان ذلك على بعد خطوات من الجدار الذي أُريدَ له انتزاع أكثر من ألفي دونم من أراضي قرية بلعين، البالغة نحو 4000 دونما. انسحب الجدار بفضل المقاومة والملاحقة القضائية، بعيدا عن هذه النقطة، واقترب من المستوطنات التي بنيت على أرض القرية، والتي لا يبدو أن القضاء يمكن أن يأمر بإخلائها..

يواصل أهل القرية الاحتجاج.. ولا زالت الأرض حيث كانت المظاهرات محروقة بقنابل الغاز، ولا زالت بقايا القنابل والمقذوفات الفارغة فيها.. في الأثناء تبني جمعية "فلسطين الخضراء" مشروعا للزراعة العضوية، وتعمل على ترميم بيتٍ قديم وتوسعته، ليكون مكان عمل "الأخوات" سيدات القرية، ليقمن بتغليف وتحضير منتجاتهن الزراعية العضوية، لتُسوّق في العالم موسومة بعبارة "صنع في فلسطين".. وفي ركن من المبنى ستُنشأُ مكتبة عن تصنيع الطعام والأغذية.. ومكان لمبيت المتضامنين الدوليين في ركن آخر.. وسيكون هناك مطعم يقدم طعاماً صحيّا "ثوريّا".

بلعين ليست الوحيدة في النضال، ولا تخلو تجربة المقاومة المدنيّة من المشكلات، والخلافات بين القائمين عليها، ولا تسلَم من إشاعات يحرك بعضها الإسرائيليون لنشر الفتنة والفرقة، والأراضي المستعادة ليست منزّهة عن خلافات الحدود بين أصحابها، وعن عثرات النفس الإنسانية، لكن في المنطقة المستعادة في بلعين الآن أيضا مشاريع لحدائق للأطفال، وأراضٍ تُستصلح، وقد كتب على باب إحداها: "نحن هنا باقون"..

يقول مضيفنا المناضل المخضرم، من المهم استصلاح الأرض وزراعتها والبناء فيها، لنحوّلها إلى شيء آخر، حفاظاً عليها من المصادرة ثانية، وتكريما للمتضامنين الدوليين..

ونحن نغادر مروراً بقرية كفر نعمة، التي نجد فيها ناديا للطفل متعدد الطبقات، وحدائق عامة منظمة، وصرّافا آليا، ومبنى بلدية أنيقا، نقول إذا ما نالت مشاريع فلسطين الخضراء، ومشاريع استصلاح الأراضي، والإنتاج الزراعي العضوي بغرض التصدير والاستبدال بالمنتج الزراعي، التجاوب الشعبي فربما نكون أمام انتفاضة بلعين الثانية.. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 26-7-2012

الارشيف