فضيحة البنوك و"الليبور" .. انحراف آخر عن اللبرالية‏

 

يعلق أحد الكتّاب الأميركيين بالقول "ربما لا تكون (كإنسان عادي) مهتما بالليبور، ولكن الليبور مهتم بك".

والليبور هو سعر الفائدة بين البنوك، وتقوم بحسابه جمعية المصرفيين البريطانيين في لندن. وأهمية الليبور للفرد العادي أنّ سعر الفائدة في البنوك على قروض مختلفة، بدءا من قروض الأفراد، والاستهلاك، والعقارات، وغيرها تتأثر كثيرا بهذا السعر، وبلغة الأرقام هناك صفقات في هذه اللحظة بقيمة 350 ترليون دولارا تتأثر بهذا السعر. والآن تحقق الهيئات المعنية في اليابان، وأوروبا، والولايات المتحدة، أنّ 16 بنك عالميا كانت تتلاعب بهذا السعر قبيل الأزمة العالمية عام 2008.

هناك 250 بنكا عالميا من 50 دولة متصلة بالجمعية البريطانية، ولكن الأخيرة لا تحتسب سعر الفائدة بناءً على عمليات الاقتراض الفعلية بين هذه البنوك، بل تقوم، في حالة الدولار مثلا، باستخدام معادلة معينة قوامها 18 بنكا تقدم يوميّا، لا أسعار القروض الحقيقية، بل ما تعتقد أنه السعر الذي يمكن أن تقترض به.

وتبيّن الآن أنّ "الأسعار المتخيلة" ليست حقيقية، وأن هناك تنسيق بين البنوك والجهات التي تحتسب السعر للتلاعب به. وبخفض سعر الفائدة "المتخيل" يقدم البنك صورة أكثر أمنا عن نفسه؛ باعتبار أنه قادر على الحصول على أموال بتكلفة منخفضة، لأنه آمن ومضمون.

بعيدا عن التفاصيل التقنية في هذه القضية، فإنّه من الناحية السياسية والنظرية، يتضح كم أن الشركات الكبرى، والبنوك، هي أطر خارج سيطرة الدول، فمثلا يقترح خبراء أن سندات الخزانة الأميركية، كان يمكن أن تكون مؤشرا أكثر دقة، على سعر الفائدة، إذا لم يتم احتساب سعر السوق الفعلي، وهو أمر سهل خاصة بوجود الحواسيب، ويمكن إدخال مبالغ صفقات عشرات البنوك، بدل عدد محدود من البنوك، اتضح أنهم يرسلون رسائل الكترونية، ويجرون اتصالات هاتفية، مع من يحتسبون السعر ليحصلوا على ما يناسبهم من أرقام لتحقيق الأرباح وخفض ورفع الفائدة بما يلائم صفقاتهم.

منذ بدء الأزمة المالية العالمية، عام 2008، والحكومات تحاول، أو تدّعي على الأقل، أنّها تحاول تنسيق سياسات عالمية للإشراف على البنوك وشركات الاستثمار، ويواجه هذا بمعارضة ضخمة من البنوك التي يساندها كتائب من السياسيين والكتاب والمثقفين تحت ذريعتين أساسيتين، الأولى أنّ هذا تعدٍّ على سيادة الدول، فكيف توجد هيئة عالمية تراقب بنكا محليا (مع أن لهذا البنك في كثير من الحالات نشاطات عالمية كبرى)؟. والذريعة الثانية أنّ السوق الحر يصحح مساره لوحده وأن التدخل ضد الحرية الاقتصادية.

ويقود موضوع حرية السوق إلى الجدل النظري في "اللبرالية"؛ فقد برز منذ السبعينيات على الأقل جدل كبير بين المنظرين اللبراليين أنفسهم؛ فهناك فريق يجادل أنّ من اقترحوا اللبرالية باعتبارها حرية الأفراد والعائلات في تجارتها، واقترحوا عدم تدخل الدول في الاقتصاد، فعلوا هذا لمنع القومية الاقتصادية والحروب التجارية والعسكرية باسم الاقتصاد، ولئلا تصبح "المصلحة الوطنية" شعارا زائفا لتؤمن الحكومات لبعض النخب حق احتكار وتجارة سلع معينة، وحرمان الأفراد من دخول سوق الإنتاج والمنافسة فيها بحرية، وأن يحصل المستهلك على حق الاختيار بين مُنتجين محليين وخارجيين، يقدمون له سلعا بمواصفات وأسعار مختلفة ومتنافسة، ولا يفرض عليه النوع والسعر، ويرون أنّ ظهور الشركات المتعددة الجنسية والعالمية التي هي هيئات احتكارية وتنسق سياساتها ولها علاقاتها مع الحكومات ليست ما رآه وأراده اللبراليون الرواد.

في المقابل فإن من يوصفون باللبراليين الجدد، لا يرون مشكلة في وجود هذه الشركات، وينظّرون أنّ في السوق آليات إدارة وتنظيم ذاتية، ولا يجب أن تتدخل الحكومات.

هبّت الحكومات في ظل الأزمة المالية العالمية، لإنقاذ البنوك والشركات الكبرى، وهذا بحد ذاته ضد فكرة السوق الحر، وكان متوقعا أن تصبح هناك رقابة أكبر مقابل هذا السلوك، ولكن ما يحدث هو سعي البنوك العالمية للحصول على الدعم الحكومي دون التنازل عن استقلاليتها، أي ممارسة "لبرالية انتقائية". وتوضح قضية الليبور، أنّ السوق ليس حرا، بل ما يجري هو خيوط يتلاعب بها رجال أعمال ومدراء باسم حرية الأسواق.   

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 25-7-2012

الارشيف