طلب فتوى: هل يجوز الإفطار بتمر إسرائيلي؟‏

 

هذا سؤال جدّي، هل يجوز الإفطار على طعام تنتجه المستوطنات الإسرائيلية؟ ألا يُفسد هذا الصيام؟ هل يدخل هذا في مجال الأمور التي تتطلب إصدار فتوى شرعيّة بشأنها؟

من المشاهد التي لا أنساها، وقوف ناشطين بريطانيين أمام متجر شهير، معروف بتمويله ودعمه لإسرائيل في العاصمة الاسكتلندية، إدنبرة، ومناداتهم الناس بمكبرات الصوت لمقاطعة المحل، وعندما تدخل سيدات متلفعات بالعباءات يصيحون بهن دون جدوى: "إنهم يقتلون إخوتكم.. أنتم تمولون قتلهم".

يقوم ناشطون مناصرون للحق الفلسطيني في أوروبا الآن بحملة لمقاطعة التمور الإسرائيلية، وهي ليست حملة جديدة، فهي تعمل منذ سنوات في كل من أمريكا وأوروبا. ويقول الناشطون إنّ إسرائيل تصدّر تمورا بقيمة 80 مليون جنيها استرلينيا سنويا (124 مليون دولارا)، يباع أغلبها في شهر رمضان، وتُزرع غالبيتها في غور الأردن، وفي مستوطنات بنيت على أراض فلسطينية مسلوبة. وبديهي أن مستهلكي هذه التمور بالدرجة الأولى مسلمون صائمون.

يتعلق سؤالي أيضاً بدعم الناشطين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهم يقومون بحملة جديدة للمقاطعة، عبّر عنها أحدهم بقوله "الفطور الحلال مش من صنع الاحتلال".

لقد تظافرت ظروف وسياسات في مقدمتها ممارسات الاحتلال، والعجز عن تخطيط عربي وفلسطيني مضاد، لتحويل المزارع الفلسطيني إلى عامل في المستوطنات، والمصانع والمنشآت الإسرائيلية، وليصبح تصريح العمل داخل إسرائيل همّه الأساسي، لا زرع أرضه.

لماذا لا يتدخل كبار علماء الدين، ممن أفتوا بمنع زيارة القدس، للإفتاء بأن عصائر وألبان شركة تنوفا، حرام، وتفسد الصيام؟! يبلغ حجم " تنوفا" نحو مليار دولار، وتفتخر بأنّها تبيع منتجات ألبان بمذاق "شرق أوسطي"، وبكلمات أدق "عربي"، فالسرقة الإسرائيلية، لم تَطَل الفلافل فقط، بل والحمص، والجبنة، واللبنة.   

تبلغ وارادات الأراضي الفلسطينية المحتلة من إسرائيل بحسب تقديرات مختلفة قرابة 4 مليارات دولار. وبموجب إحصاءات السلطة الفلسطينية الرسمية، ووفق أرقام 2010، تبلغ الواردات من إسرائيل قرابة مليارين وتسعمائة مليون دولار، وهو ما يعادل نحو 72.5% من مجمل الواردات الفلسطينية.

يعمل في المستوطنات الإسرائيلية، قرابة 35.000 فلسطيني، ويجب النظر لهذا الرقم بالتوازي مع نسبة بطالة تُقارب 20% في الضفة الغربية.

بحسب مؤتمر نظمته مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في رام الله مؤخرا، يعمل 2% من المستوطنين بالزراعة، والسبب أن الفلسطينيين يعملون في هذا القطاع، والسوق الفلسطيني هو أهم مستهلك للفواكه المنتجة في المستوطنات. بالمقابل كان 45% من فلسطينيي الضفة الغربية يعملون في الزراعة قبل العام 1967، وأقل من 16% بحسب أرقام 2004. ويؤمّن قطاع التعدين والمحاجر في المستوطنات الذي يعمل فيه نحو ثلث عمال المستوطنات الفلسطينيين، قرابة ثلث قطاع البناء والإنشاءات الإسرائيلي. 

لا شك أنّ الأمر في جزء منه اضطراريا، فعلى صعيد المياه مثلا، تستولي إسرائيل على معظم مصادر المياه الفلسطينية، ففي غور الأردن يحظى 10.000 مستوطن بـ 44 مليون مترا مكعبا من المياه، وهو يعادل ثلث ما يحظى به 2.5 مليون فلسطيني، في سائر الضفة الغربية، ويوضح هذا حجم التسهيلات للمزارعين الإسرائيليين.

تمنع السلطة الفلسطينية استيراد منتجات المستوطنات، وقد صادرت وأتلفت على سبيل المثال نحو 1400 كغم من تمور المستوطنات، الشهر الفائت من الأسواق الفلسطينية. لكن السلطة مكبلة باتفاقيات تمنع مقاطعة السلع الإسرائيلية، ولذلك يمكنها قانونيا مقاطعة المستوطنات فقط، والقوانين مهما بلغت قوتها لا يمكن أن تؤدي إلى حسم، لأنّ الإسرائيليين يسيطرون على أكثر من 70% من أراضي الضفة، ولا سلطة للشرطة الفلسطينية هناك، ومن هنا فإنّ عوامل التوعية الوطنية والدينية يمكن أن تلعب دورا كبيرا.

ربما لا تزيد الواردات الفلسطينية عن نحو 4% من الصادرات الإسرائيلية، لكن وظيفة المقاطعة ليست إيذاء الاقتصاد الإسرائيلي، بقدر ما هي فك الارتباط بين الاقتصادين، أضف إلى ذلك إيجاد اقتصاد فلسطيني وطني، وتأمين فرص عمل بديلة عن المستوطنات، ورفع كلفة الاستيطان، وإنهاء الحالة الإذلال حيث يعمل الفلسطيني أجيرا في أرضه، التي يصادرها المستوطن والاحتلال. وإعادة المزارع الفلسطيني إلى أرضه، تزيد ارتباطه بها، وتعيق مصادرتها.

فهل يمكن للعامل الديني أن يحسم موضوع المقاطعة؟  

نشر في اغد الأردنية بتاريخ 24-7-2012

الارشيف