إعلان غزة محررة‏

 

نفى مسؤول العلاقات الدولية في حركة "حماس" أسامة حمدان أن يكون لدى حركته توجهات لإعلان استقلال قطاع غزة نهائيا، وقدّم محمود الزّهار نفيا مماثلا.

يأتي هذا النفي تعقيبا على ما نقلته صحف ووسائل إعلام ذات مصداقية عن مسؤولين من "حماس" في غزة، أنّ اسماعيل هنيّة، رئيس حكومة الحركة، سيطلب من الرئيس المصري، محمد مرسي، التجاوب مع مطلبه إعلان قطاع غزة، محررا، وإنشاء منطقة تجارة حرّة بين مصر والقطاع.

في قضية إعلان غزة محررة، أبعاد أهمها مدى وجاهة الخطوة، وهل يمكن أن يتم الإعلان دون أضرار جانبية؟!

تشير وجهة النظر المُعارضة لإعلان استقلال غزة، والتي تقودها أوساط في حركة "فتح"، وجِهات في النظام المصري السابق، إلى أنّ مثل هذه الخطوة تعني إعفاء إسرائيل من مسؤولياتها كدولة احتلال، وهي خطوة تريد منها "حماس" إنشاء إمارة لها في غزة، وفصلها كليّا عن الضفة الغربية، وغض الطرْف عن المصالحة.

والواقع أنّه من غير الواضح ما هي المسؤوليات التي تضطلع بها إسرائيل في غزة، وتبرر معارضة إعلان القطاع محرراً، وإنهاء أي دور للمعابر والتجارة مع إسرائيل.

من يجب أن يدرس ويعلن القرارات الخاصة بمستقبل القطاع، هو قيادة فلسطينية موحدة على رأس منظمة التحرير الفلسطينية، وإذا كان القطاع حرّاً فلا بد من إعلان هذه القيادة هذا القرار من غزة ذاتها، ربما بزيارة يقوم بها محمود عباس وخالد مشعل، وبانعقاد مجلس وطني فلسطيني جديد هناك، وبحضور قادة إقليميين وعالميين.

الأهم من إعلان القطاع محررا، أن تتجسد هذه الحرية على الأرض، ويصبح هذا الجزء من فلسطين بداية ونموذجاً لتحرير أجزاء أخرى، فيصبح موقع اجتماعات المؤسسات الفلسطينية، مع الضغط لتشغيل موانئ جوية وبحرية، وللتنمية الاقتصادية، وعودة أعداد من أبناء القطاع في الخارج إليه.

يستحق تجسيد التحرير على الأرض، أن يكون هدفاً فلسطينيا جامعاً، وأن يخرج من حسابات الفصائل، وأن يكون جزءًا من استراتيجية وطنية شاملة.

ومثل هذا الهدف يتحقق بوحدة فلسطينية، وبإعادة تجديد مؤسسات العمل الفلسطيني. ومن هنا فإنّه بقدر ما يبدو غريباً رفض تحرر القطاع بحجة عدم إعفاء إسرائيل من مسؤولياتها، فإنّ رفض "حماس" إجراء انتخابات لا يقل غرابة. ومن غير المفهوم كيف يمكن لحركة مقاومة تخوض الانتخابات تحت الاحتلال الذي يعتقل نوابها في البرلمان، ثم تدّعي أنّ انتهاكات حقوق الإنسان في الضفة الغربية هي مبرر تجميد الانتخابات. لا يُفهم هذا السلوك إلا أنّ تكريس السلطة القائمة في غزة هو الهدف الفعلي لقيادة "حماس" هناك. هل كانت "حماس" ستعارض الانتخابات وتعرقلها لو لم تكن لديها سلطة في غزة؟

على الأرض تتقاسم مؤسسة الرئاسة وحكومة رام الله، مع حكومة غزة، مسؤوليات القطاع، وكثيرا ما تلقي حكومة "غزة" على نظيرتها في رام الله مسؤولية المشكلات في القطاع. وتعلم قيادات "حماس" أن "فتح" موجودة على الأرض شعبيّا في الضفة والقطاع بقوة. ولا يمكن استمرار حكومة هنية بالبحث في مستقبل القطاع مع كل الأنظمة والجهات في العالم، إلا مع الطرف الفلسطيني الآخر. وإذا كانت ترى أنّ الطرف الآخر ليس أهلا للشراكة، أو أنّه غير موجود، فإنّ الانتخابات هي الفيصل.

ذهاب الفلسطينيين الذين يتولون مسؤولية غزة واقعيا أي الحكومة الموجودة هناك، ومؤسسة الرئاسة الفلسطينية، مع الأخذ بالاعتبار انتهاء ولاية كليهما، معاً للحديث مع المصريين وغيرهم سيسهل المهمة كثيراً. فأي طرف عربي تُبحَث معه شؤون القطاع سيفكر مرارا في موضوع الانقسام الفلسطيني، وأهمية عدم تحول أي خطوة إلى جزء من المعركة الفلسطينية الداخلية، وسيفكر في رد فعل الطرف الفلسطيني الآخر.

ذهاب هنية لمناقشة مستقبل القطاع لن يجدي، فهو لا يمثل الفلسطينيين منفردا، وهو في أحسن الأحوال نتاج برلمان انتهت صلاحيته، ولا سلطة له إلا في غزة. أمّا ذهاب وفد يمثل الفلسطينيين عموما، من مستقلين، وفتح، وحماس، وباقي الفصائل، أو يمثلون منظمة تحرير جامعة، فسيكون له ثقل حقيقي.

لا مخرج من المأزق الفلسطيني الحالي إلا عندما تدرك الفصائل بالممارسة العملية أن فلسطين أكبر وأهم منها. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 23-7-2012

الارشيف