اسرائيل وبقايا النظام السوري‏

 

لم يستخدم الجيش السوري أسلحته من قبل ضد إسرائيل إلا في معارك قليلة لم تحقق أهدافها، كما في حرب 1973، وبقيت جبهة الجولان هادئة، وظَلّ النظام يُعلن كلما ضَرَبَت إسرائيل في دمشق، احتفاظه بحق الرد في الوقت المناسب، ويبدو أنه سيرحل دون استخدام "حق الرد". والسؤال هل تتحسب إسرائيل أنّ السلاح الذي لم يُستخدم، إلا ربما عبر حزب الله، ومن لبنان، ولهدف محدد لا يتعدى تحرير جنوب لبنان، يمكن أن يُستخدم بعد زوال بقايا النظام الراهن هناك؟. ولماذا تخاف هذا طالما لدى المعارضة السورية تفاهماتها مع القوى الدولية، والإقليمية، وليس في وارد هذه القوى تفجير الجبهة الفلسطينية (الإسرائيلية) – السورية، والقيام بما لم يقم به النظام الذي بنى ذرائعية وجوده على أساس الممانعة والمقاومة، فضلا عن أنّ الثوار في كل مكان، من سوريا حتى تونس، مرورا بمصر وليبيا، على اختلاف أنواعهم ودوافعهم لا يضعون إسرائيل ضمن أولوياتهم، وحتى تنظيم "القاعدة" يُبقى إسرائيل في ذيل اهتماماته.

ربما يخشى الجنرالات الصهاينة تكرار السيناريو العراقي، وربما يكررون هم هذا السيناريو. إذ عندما سقط النظام، تحركت بقايا الجيش البعثي، ودخلت مجموعات "القاعدة"، وتحركت مجموعات شيعية، وقامت بعمليات مقاومة ضد الاحتلال، وعمليات إرهابية في اتجاهات مختلفة. وبوجود تنظيم حزب الله، فإن سقوط ترسانة الأسلحة السورية بيد الحزب، أو غيره، يمكن أن يشكّل سيناريو خطرا على الإسرائيليين، كما أن فوضى مع بعض النظام قد تكون خطر. ولكن للسيناريو العراقي وجهٌ آخر؛ حيث يتضمن أيضاً ادّعاء الطرف الأميركي وجود أسلحة كيماوية لتبرير هجوم عسكري، ولذلك ربما يستخدم الإسرائيليون مزاعم السلاح الكيماوي، للقيام بهجوم. من هنا فإنّ المسارعة لاتهام حزب الله، بالمسؤولية عن عملية السياح الإسرائيليين، في بلغاريا الأربعاء الفائت، ربما تكون في إطار البحث عن مبرر لتفجير عملية ما. إذ كما كانت "القاعدة" خلف اعتداءات أيلول 2001، وأسرع وزير الدفاع الأميركي حينها دونالد رامسفيلد للبحث عن إصبع عراقي، ليبرر حربه التي كان ينشدها، يُسرع وزير حرب إسرائيل وساستها لاتهام الحزب وإيران، حتى قبل أن تتضح هوية منفذ العملية تماما، ورغم دعوات البلغار للتمهل قبل إعلان استنتاجات.

قد يكون سيناريو المواجهة الوقائية في ذهن الطرف الإسرائيلي، مثلما قد يكون تفجير صِدامٍ مع إسرائيل سيناريو يلجأ له النظام السوري والحليف اللبناني (حزب الله) في محاولة يائسة للعب ورقة الممانعة والمقاومة، لإحداث تغيير في وجهة الأحداث والرأي العام. وربما أيضاً لتوجيه رسالة شبيهة للولايات المتحدة، ولكنها أذكى من التي وجهها رامي مخلوف، ابن خال الرئيس، وأحد أباطرة اقتصاد دولة البعث، في بداية الأحداث عندما حذّر الغرب في مقابلة شهيرة مع نيويورك تايمز، بأنّ سقوط النظام السوري يؤذي إسرائيل واستقرارها.  ومن هنا فإنّ افتعال توتر مع إسرائيل حاليا أمر ممكن سواء للعب ورقة الممانعة، أو للتلويح بما قد يحدث إذا استمر الضغط على النظام السوري.

وإذ تكثر السيناريوهات، فيمكن إضافة سيناريو جديد، هو أنّ المصلحة الإسرائيلية تتضمن إبقاء إيران تحت الضوء، سعيا لتشتيت الانتباه عن سياساتها وممارساتها الاحتلالية داخل فلسطين المحتلة. فالنظام السوري الآن في أضعف حالاته، والحديث عن حرب إسرائيلية قد يخدم هذا النظام، لذا فما الذي يريده الإسرائيليون؟

يحقق الإسرائيليون أكثر من هدف بتصعيد التوتر؛ أولها، الظهور بموقف الضحية، وثانيها، التمهيد لعمل عسكري محتمل ولكن ليس مؤكدا، وثالثها، ابتزاز الغرب أكثر ليصبح تحرك إسرائيل ضد لبنان أو إيران في صلب مخاوف هذه الدول، وسببا في محاولة إرضاء إسرائيل، وسببا إضافيا في عدم إزعاجها بأي حديث عن عملية السلام، والمستوطنات، والحصار على غزة، والتضييق في الضفة الغربية.

نقطة أخيرة: طلبت منظمة العفو الدولية (آمنستي) من إسرائيل عدم اعتراض لاجئين سوريين قد يلجؤون للجولان المحتل، وتقديم الحماية لهم. ألا يوجد طريقة لاستغلال الفرصة، حتى ولو لأجل فقاعة إعلامية، لمطالبة إسرائيل بإرجاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا إلى ديارهم الفلسطينية؟ 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 22-7-2012

الارشيف