الطريق إلى بيرزيت‏

 

قال: يُهذّب الروائي قصصنا حين يرويها، ويخفّف وطأتها، حتى لا يُتّهَم بالمغالاة في الخيال.

وأضاف: لعلي أكتب روايتي الأولى يوماً عن قصص عبور نهر الأردن إلى فلسطين، أو أسجّل الطريق إلى جامعة بيرزيت.

قال: في أواسط التسعينيات استقلّيتُ سيارة أجرة مع آخرين للتوجه إلى أريحا، حيث ما يعرف بالاستراحة، التي نتحرك منها إلى الجسر والحدود التي يسيطر عليها الإسرائيليون. هاتفَ السائق زملاء سبقوه ليعرف أوضاع الطرق. كان مضحكاً مُغيظاً، أنّ الإسرائيليين يسمحون بالتحرك من الاستراحة إلى الجسر، ولكن يمنعون دخول أريحا. وصلنا مشارف المدينة ورأينا الحاجز الصهيوني يسد الطريق, استدار ليجرّب مدخلا ثانياً، فكان مغلقا.

وقفنا إلى جانب الطريق، تملؤنا الخيبة، والسيارة باتجاه الإياب. قلت بأنّ امتحانا جامعيا ينتظرني، ردّ السائق بلهجة خليلية مخففة: "إذا كانوا إسرائيليين فأنا فلسطيني، بعون الله ستدخلون". كان في السيارة راكبان آخران يريدان دخول أريحا ليس إلا، دون متابعة الطريق عبر الحدود.

تتراءى الرحلة خيالاً؛ دخلَ مناطق رملية وترابية، خلتُها منثورة ملحاً، أو لعلنا مررنا بمصنع ملح؟ لا ترى في المدى طرقاً معبّدة أو غير معبّدة، ولا تعرف كيف يجد طريقه. في ذاكرتي شبح سيارة أخرى صادفناها في طريقنا، تعلوها حقائب الركاب، وقد غرزت عجلاتها، وقبل أن نساعدهم، أنجز ركابها المهمة. وصلنا أريحا. تسلّم أجرته دون زيادة، ولم يبدُ متوقعا شيئاً، كما لو أنّ مكافأته هي وصوله بنا.

عجّت الذاكرة بالغيوم، وأنا أقرأ ما كتبه مريد البرغوثي في كتابه "ولدت هناك.. ولدت هنا"؛ القصة نفسُها، ولكن في يوم ضبابي ماطر. زاد عجائبيتها أنّ مياه المطر أوجدت في الأرض أخاديد طينية يستعصي عبورها. كان سائقهم قد قال لهم "أنا عمري ما رَجّعت راكب مهما صار". لم يكن خليليا، بل يروي نكاتاً عن "الخلايلة"، لم أستسغها.  ظهرت في الضباب، رافعة صفراء عملاقة، يمتطيها شابان نحيلان بملابس خفيفة، ويبدو أنّ عملية الإنقاذ لا تحتاج نقاشا كثيراً مع السائق، الذي شدّ وثاق الحقائب على سطح المركبة، وربط الكل للرافعة. ارتفعت السيارة ومن فيها من بشر ومتاع فوق الأخدود الموحل. كان أهل الرافعة قد امتهنوا هذا الإنقاذ مقابل مبلغ نقدي متواضع.

مزج مريد بين قصة العبّور هذه وذكريات الطريق إلى بيرزيت، وهو يصاحب شعراء ومسرحيين عالميين من أميركا اللاتينية وغيرها، ومعهم محمود درويش، وقد أحال الاحتلال الطريق إلى الجامعة أخدوداً موحلاً لا تعبره إلا على الأقدام أو فوق ظهور الحمير. يترجلون لسير 500 متر عبر الأخدود، هي الدرب الوحيد إلى الجامعة وقرى الشمال. يقابلهم شابٌ يحمل على ظهره مُسنّة بثوبها التقليدي، وغطاء رأسها الأبيض.. يَرُد الأدباء تحية الطلبة، ويواصلون نقاشاً عن المسرح.

يُتابع: كانت قصتي مع بيرزيت الأسبوع الفائت:

أخيراً عدتُ إليها (لم أكن يوماً فيها ولم أولد قربها ولكن الكلمة المستخدمة دائماً هي العودة).. اضطررت لتركها سريعاً عائدا إلى عمّان لأحضر حقائبي التي تأخرت قادمةً من لندن. يمّمتُ وجهي غرباً صباح الجمعة، وصلتُ الجسر الثامنة، أبلغنا الشرطي الأردني أنّ الطرف الإسرائيلي أغلق الجسر منذ السادسة. أيُّ حدودٍ هذه التي يغلقونها ويفتحونها كلما خطَرَ لهم؟. شرحتُ لأولادي الذين جاؤوا يوصلونني الأمر. نصحني الشرطي بمغادرة بيتي في الواحدة صباحا، لأحصل على دور مبكر يسمح لي بالعبور في اليوم التالي، السبت، فأصل الجامعة لتقديم المحاضرة.

أثناء العودة إلى عمّان لم أسمح لهم بمنعي من الاستمتاع بمشاهد جلعد والسلط ووادي شعيب. وتحوّل إعطاء المحاضرة للطلبة في موعدها في اليوم التالي إلى هاجس ومعركة وأدرنالين متدفق. قمتُ بمغامرات، لتنسيق وحجز السيارات. ومنذُ الثانية صباحا كنتُ في باص ترتيبه السادس في طابور السيارات المنتظرة، كان برفقتي مسافرون من ترمسعيا، والمزرعة الشرقية.

ويختم: وصلتُ رام الله.. وصلت بيرزيت.. استلقيتُ لدقائق على السرير.. تحمّمتُ.. ارتديتُ ملابس "طازجة".. تعطّرت.. صعدتُ الدّرج بخطىً سريعة، قابلت الطلبة، وألقيت محاضرتي في النظرية الكلاسيكية..

قلتُ له: حمداً لله على سلامتك، وابتسمتُ، وموسيقى "فاوستو بابيتي" تملأ المكان، وأنا أتخيل قارورة عطره الخضراء..  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 19-7-2012   

الارشيف