الصوت الواحد والأصول والمنابت‏

 

يُراد، بشكل متزايد، للجدل في الأردن حول قانون الانتخاب أن ينحصر في مسألة تمثيل المواطنين من أصول فلسطينية، لتجد هذه "الشريحة" نفسها مجدداً وكأنّها الإشكالية في كل شأنٍ يدور في العالم حولها. يحدث هذا مجدداً، رغم نأي جزء كبير من هذه الشريحة بنفسه عن الحراكات السياسية والشعبية.

ما نقلته صحف عن نائب في البرلمان الأردني، يصرّح في لقاء تلفزيوني أنّ "النواب لا يريدون الصوت الواحد لأنه يعني صعود الإسلاميين كتيار ديني إلى واجهة القرار السياسي، كما يعني أن يتقدم الأردنيون من أصل فلسطيني الصفوف"، وإذ لم أتمكن من الاطلاع بنفسي على التصريح، فإنّه ليس إلا نموذجا لخطاب قائم. وحتى الإخوان يُعتبرون في عُرف البعض رافعة لهذه "الشريحة" من المواطنين.

من المؤسف انشغال النخب في مثل هذا النقاش، الذي يعكس فشلا في تطوير هوية تدمج الهويات الفرعيّة، ولكن الأهم أنّ إلغاء قانون الصوت الواحد لا يلغي ولا يمسّ معادلات الأصول الجغرافية والمنابت في مجلس النوّاب، فالتمثيل الديموغرافي والجغرافي يتعلق بتوزيع الدوائر، لا بعدد الأصوات.  

إنّ وظيفة الصوت الواحد هي عدم السماح لأي جهة سياسية كانت بتشكيل أغلبية وحكومية برلمانية، رغم أنّ هذا يتعارض مع الوظيفة الأساسية للديمقراطية. ولعل الحل الوسط في قبول قانون مثل "صوتين لكل ناخب" ضمن توزيع الدوائر ذاتها، يمثل تنازلا عن فكرة الحكومة البرلمانية ذات الأغلبية النيابية، مقابل برلمان أقدر على ممارسة وظيفة الرقابة، وربما في أحسن الأحوال تشكيل حكومة برلمانية من قوة لا تتمتع منفردة، أو مؤتلفة، بأغلبية مقاعد البرلمان.  

أمّا القائمة الوطنية التي يقال انّها ترضية "لفئات اجتماعية" فيستحيل أن تكون ممثلة لفئة دون أخرى في المجتمع؛ إذ أن أساس فكرة القائمة هي تمثيل الجميع بوزنه النسبي، فإذا كان أساس التمايز فكريا وسياسيا ستمثل القائمة قوى سياسية بأوزانها، وإذا كان على أساس الهويات الفرعية فستبقى الهويات هي الأساس، وبشكل نسبي.

لا يمكن فصل أحداث عنف الجامعات الأردنية، عن محاولات هندسة الجامعات السياسية، وعدم إتاحة فضاء حر للطلبة للحراك والتفاعل، كما لا يمكن فصله عن قانون الصوت الواحد فيها. لم تكن الهوية الفرعية يوماً هاجساً عند عموم الطلبة، حتى بدأ التدخل من خارج الجامعات يشجع الهويات الفرعية للتحكم في حراك الطلاب. والجامعات صورة مصغرة لمجلس النواب، وباتت حاضنة العنف وضيق الأفق في المجتمع ككل.

تحويل الانتباه إلى قضية فرعية من قضايا الإصلاح، لا تحظى باهتمام بالغ من أي شريحة، أي لقضية تمثيل الأصول، هو تعزيز لانعدام الديمقراطية، وآلية للهرب من الإصلاح الشامل، فهذه "الشريحة" من المواطنين معنية بقضايا مثل سحب الجنسيات، أكثر من قضايا الأصول في مقاعد البرلمان. مثل هذه الآلية للفرار من الإصلاح الحقيقي لن تنجح إلا بتعميق المشكلات الحقيقية في الحياة السياسية؛ كمشكلات الافتقار إلى آليات ديمقراطية جديدة لتشكيل الحكومات، ومراقبة أدائها، ومنع الأمراض التي تقلل الفاعلية في الأداء، وتهدر الطاقات الوطنية، وهذه الأمراض هي تحديداً الواسطة، والفساد، وعدم تكافؤ الفرص، وعدم وضوح توزيع الصلاحيات لا بين السلطات المختلفة في الدولة من تنفيذية، وتشريعية، وقضائية، بل وداخل فروع السلطة التنفيذية ومؤسسات إنفاذ القانون نفسها.

    الحديث عن تمثيل ديموغرافي وجغرافي هو نوع من التذرع لتبرير فشل وحرف النظر عن مشاريع كانت ستغير وجه الأردن، وتعيد إنتاج الهوية، وتصهر الجميع. عن مدينة العقبة الحرة التي لم تحقق أهدافها، ولو حققتها ورأينا فيها جامعات كبرى، ومدن تكنولوجيا معلومات ذكية، ومدن إعلامية حرة، وميناء إقليمي نشط، ورأينا مصانع قريبة، منها باتجاه معان، وأسواقاً مالية. لرأينا فيها مجتمعاً جديداً من شتى الأصول والمنابت، يستقبل الطلبة والمستثمرين والسواح من كل العالم، وتنصهر فيه الهويات في هوية وطنية متطورة موحدة.

الحديث عن الهويات الفرعية أساسا لجدل الصوت الواحد صرفٌ للأنظار عن الحاجة لبرلمان يسأل ما الذي حصل في مشاريع القطار الخفيف، والعبدلي، ومياه الديسي؟ ويناقش بعقلانية المفاعل النووي، ومشاريع أخرى كانت ستغير وجه الأردن، بدل جدل الأصول، وسحب الجنسيات، وآليات التفتيت الاجتماعي.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 17-7-2012

الارشيف