فلسطين و"الإخواني" رجل الدولة‏

 

يجدر عند قراءة موقف أي دولة عربية من فلسطين، سواء أكانت من دول الربيع العربي، أو تلك التي لا زالت بمنأى عن التغيير الشامل، تذكّر أنّ منطق "الدولة – الأمة" هو المهيمن على السياسة العربية. بمعنى أنّ الدول والساسة يتحركون وفقا للأولويات الوطنية، وفقا لحسابات وحتى بروتوكول ومراسم الدول. ينطبق هذا على مواقفهم السياسية، ويصل حتى تحديد هوية الزوّار المقبولين، وطريقة وتوقيت استقبالهم.

ما إن فاز محمد مرسي بالانتخابات المصرية، حتى اتجهت الأنظار لمراقبة موقفه من الصراع العربي الإسرائيلي، مع اهتمام موازٍ بالموقف من الصراع الفصائلي الفلسطيني، وإمكانية الانتصار لفصيل ضد آخر.

لجلاء الموقف يجدر التساؤل هل كانت اتفاقية السلام الإسرائيلية – المصرية عام 1979 خطأً مثلا؟ وبالتالي ينطبق عليها ما قاله محمود الزّهار، نهاية الشهر الماضي، تعليقا على فوز مرسي، أنّ "هذه لحظة تاريخية ومرحلة تاريخية جديدة في تاريخ مصر، ستصحح الأربعين عاما السابقة. هذه  هزيمة لبرنامج التطبيع مع العدو (الإسرائيلي)، وبرنامج التعاون الأمني مع العدو، وبيع مقدرات مصر للعدو". من الواضح أنّ إلغاء الاتفاقية ليس مطروحاً، ولا يطرحه حتى الزّهار. لا يعني هذا أنّ تغييرا لن يقع في مواقف مصر من إسرائيل، ولكنه سيبقى محصوراً بحدود، وبمصالح الدولة المصرية، وفي أحسن الأحوال تدريجيّاً. وهذا ما عبّرت عنه الدوائر المحيطة بالرئيس المصري، عقب لقائه وزيرة خارجية الولايات المتحدة السبت الفائت، إذ أعلن وزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو أن الرئيس مرسي "أعلن في كل المناسبات أن مصر تحترم جميع التعهدات والاتفاقيات التي دخلت فيها طواعية، طالما يحترم الطرف الآخر التزاماته... ". وقال: "اليوم أعاد الرئيس مرسي تأكيد نفس الموقف، موضحاً أن مفهومنا للسلام هو السلام الشامل كما تنص عليه معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وأن الهدف المصري في المرحلة الحالية هو تحقيق السلام الشامل، بما في ذلك السلام للشعب الفلسطيني الشقيق، وحقه في إقامة دولته المستقلة على حدود ما قبل 4 حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية". والواقع أنّه كان متوقّعاً أن يجد مرسي طريقة حتى لا يكون حل الدولتين هو ما تتبناه سريعاً رئاسة إخوانية، على اعتبار أنّ رفض حل الدولتين كان جوهر رفض إخوان فلسطين والعالم، لمفاوضات السلام. والآن أصبح موقف الرئيس الإخواني هو موقف الدول العربية "القديمة" ذاته.

في موضوع الفصائل، لم تتعلم قيادة "حماس" في غزة عدم جواز التصريح نيابة عن مصر، أو أن تعتبر موافقة مصر مضمونة؛ فكما أعلن هنية قبل شهور أنّ أزمة الكهرباء تكاد تنتهي، وقال في شباط إنّ "أزمة الكهرباء في قطاع غزة في طريقها لحل جذري وفق آلية محددة سيتم الاتفاق بشأنها مع مصر"، ثم لم يحدث ذلك تسرّعت مصادر هنيّة بالقول إنّه سيزور الرئيس المصري المنتخب خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، قبل أن تضطر أوساطه للتراجع عن الحديث عن الزيارة، بعدما اتضح أنّ مؤسسة الرئاسة المصرية تتعامل بحساسية مع الطلبات الفلسطينية للقاء الرئيس مرسي. وقالت مصادر الرئاسة المصرية إنّها تدرس فكرة استقبال وفد فلسطيني يشمل كلاً من الرئيس محمود عباس ورئيس حركة "حماس" خالد مشعل معاً أولاً.

حاول هنية تحقيق "سبق" اللقاء لينتزع إشارة من مرسي بشأن مكانته التمثيلية بالنسبة للفلسطينيين، أمّا مرسي فقد تحرك ضمن محددات، أولها أنّ مسألة إعلاء الرابط والمتغير الحزبي على الوطني، أمر حاول خصومه الداخليين استغلاله مراراً، لذا فإنّ المبادرة للقاء هنية، خصوصاً أن الأخير يحيط زياراته عادة باحتفالية عالية، ستؤكد هذه الاتهامات. وثانيا، أنّ احترام المؤسسات الدستورية والبروتوكولات تقتضي أنّ يقابل الرئيس رئيسا. وثالثا، إنّه بينما توصل رئيس "حماس" خالد مشعل إلى توافق مع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، ويمكن ربما استقبالهما معاً، مما يصب في خانة الدفع للمصالحة، فإنّ استقبال هنية يصب في خانة تسجيل النقاط الفصائلية.

ما يجدر أخذه بالاعتبار عند دراسة مواقف رئاسة إخوانية كالتي في مصر، بالنسبة لفلسطين، أنّ هذه الرئاسة تنطلق من أولويات وطنية مصرية، ومن توازنات دولية تقوم بحسابها.  

 نشر في الغد الأردنية بتاريخ 16-7-2012

الارشيف