خطابات مشعل في تونس والمغرب‏

 

دعت الأحزاب الإسلامية الحاكمة في تونس والمغرب في الأيام الماضية وفداً من حركة "حماس" بقيادة رئيس المكتب السياسي، خالد مشعل، لحضور مؤتمراتها العامة. هذه الزيارة الأولى لمشعل إلى البلدين، وللدعوة بحد ذاتها معانٍ عدة، ولمضامين خطابات مشعل في المؤتمرين معانٍ ودلالات بشأن تفكيره السياسي الراهن.

أول المعاني أنّ اللقاءات التي كانت تجري بين إسلاميين في منافي الأرض، وفي الدول التي تسمح بلقائهم أحياناً، أصبحت تُعقد وقد تحول الإسلاميون إلى رجال دولة.

ثاني المعاني، أنّ الأحزاب الإسلامية لم تدع "حماس" منفردة، بل ودعت حركة "فتح"، التي مثّلها عباس زكي في تونس، وعزام الأحمد في المغرب. هذه الدعوة الشاملة، مضافا إليها ما يشار إلى حرص الرئيس المصري محمد مرسي، على الالتزام بالبروتوكول، ولقاء الرئيس الفلسطيني، قبل أي لقاءات مع قيادات في "حماس"، موقف متوازن، ورفض للدخول على خط الصراع الفصائلي الفلسطيني، حتى ولو كان المعنيون بالأمر في البلدان الثلاث أقرب إلى حماس فكريا وسياسيا. ويعكس هذا الموقف إدراك الإسلاميين أنّهم ليسوا وحدهم على الساحة، وأن أغلبيتهم ليست ساحقة.

كان مشعل حريصاً على التأكيد أنّ من يمثل فلسطين ليس هو فقط، بل ومعه ممثل فتح. ويساعد هذا تقديم صورة موحدة عن الفلسطينيين، بدل صورة الاقتتال، حتى وإن كان خطاب مشعل يبدو كما لو كان هو الأساس، وكما لو كان قد اصطحب معه ممثلا عن "فتح"، "شركاؤه في القرار الفلسطيني" على حد تعبيره. وحقيقة الأمر أنّ "فتح" تفتقد إلى حلفاء شعبيين بالقوة والحماس نفسه الذي بات يتوافر لحماس. ولكن مشعل يدرك من واقع معايشته للسياسة العربية، أنّ إلغاء الآخر غير ممكن، وأنّ الربيع العربي أوضح وجود آليات وقوى عمل جديدة لا يمكن إغفالها.

ثالثا، شتّان بين خطاب مشعل في الدولتين، وخطابات اسماعيل هنية، رئيس وزراء حكومة "حماس" في غزة، في جولاته مطلع هذا العام، ومنها تونس. فقد حرص مشعل على إعلاء شأن فلسطين، وليس "حماس" وأن يكون الهتاف للوطن لا للفصيل، وللقيم والأوطان وليس الأشخاص، وتذكر احتضان تونس للمقاومة بعد العام 1982، وذكر خليل الوزير، وياسر عرفات، وجورج حبش. وإذا كان محمد مرسي يطرح الاستقالة من حزبه ليكون رئيسا لكل مصر، لا يتذكر هنية أنّه وهو يقدّم نفسه رئيس وزراء عليه تجنب ذكر الفصائل كُليّاً، وأن يترك الخلافات وراء ظهره، فيما يدرك مشعل هذا.

الفرق بين الخطابين، هو الفرق بين شخصين، يقدم أحدهما نفسه ليصبح قائداً للشعب، ويتمترس الثاني في الفصيل، ويعتبر "أهل صفاقس... الامتداد الحمساوي القسامي العظيم"، ويتحدث في تونس عن انتصارات حماس الانتخابية، ولا يتذكر من شهداء فلسطين إلا الحمساويين. مشعل شخص يدرك أنّ الجميع خاسر في المواجهة الداخلية، ويدرك أن من يريد أن يكون قائدا وطنيا يتحدث باسم الجميع. لقد أنضجت التجارب العالمية والدولية مشعل، بعكس هنية المحاصر.

رابعاً، شتّان بين خطاب مشعل الآن وخطاباته قبل سنوات، ومنها مثلا في مخيم اليرموك في دمشق، عندما كان يقوم بالتخوين والهجوم الشخصي، بينما يعلن الآن ويؤكد أهمية الوحدة الوطنية. وينصح الإسلاميين ألّا يعتبروا صندوق الاقتراع تفويضاً بالانفراد بالحكم واستبعاد الآخرين، ويؤكد أهمية اللقاء الإسلامي اللبرالي تحديداً. وكان شجاعاً إذ يعلن "نحن في حماس أخطأنا كثيرا، وأصبنا كثيراً"، داعيا بذلك الإسلاميين للاعتدال.

خامساً، كان مشعل واقعيّا، ومحددا، وهو لا يرفع سقف التوقعات كثيراً، من الربيع العربي، ويقول خذوا وقتكم في التعافي، وفي تجاوز المرحلة الانتقالية. "نريد أمة متعافية لا أمة مرتبكة"، و"لا نطلب من الدول العربية وهي في بداية طريقها أن تشن حرباً على إسرائيل". ويطلب في الوقت نفسه أن لا تغيب فلسطين عن تفكيرها وأجندتها السياسية.

يعكس خطاب مشعل نضجاً، وواقعية، وإدراكا لمتطلبات الصراع وإدارته، فهو لم يتنازل عن طروحاته السياسية في تأكيد المقاومة بما فيها المسلحة، ومعارضته لخصومه السياسيين والتنسيق الأمني، ولكنه تراجع عن شخصنة الخطاب، وأدرك أن إلغاء الخصوم مستحيل، وتأليبهم أمر لا يناسب خطاب من يقدّم نفسه قائداً وطنيّا. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 15-7-2012

الارشيف