هاني الحسن...‏

 

مع رحيل هاني الحسن عن الدنيا، يتذكر الجميع، وبشكل طبيعي، مآثره وما قدمّه، وتتوارى نقاط الخلاف، ربما لأنّ المنافسة لم تعد موجودة، ولأنّ رصيد القائد الراحل يصبّ في خدمة فصيله ومن بقي بعده.

لكن هاني الحسن قصة فلسطينية فريدة؛ تبدأ دائماً برواية نبأ العائلة، فكثيرون يذكرون أنّ أبا طارق رحمه الله ينتمي لأسرة ميسورة وعريقة من حيفا؛ انتمى والده وأسهم في رعاية مجموعات الشيخ عزالدين القسّام. سمعتُ من الراحل الكبير شخصيا أنّ والده اصطحبه يوماً في صغره، إلى صالون حلاقة في حيفا، ليجد شخصاً مجزوز العنق، ويقول له والده: هذا جزاء الجواسيس والخونة.

أُعجبتُ بطروحات وكتابات خالد الحسن، (أبو السعيد) رحمه الله. وهذا يزعج أصدقائي اليساريين خصوصا من يكبرونني سناً، ممن عاصروا "فتح" الستينيات والسبعينيات، فقد كان خالد الحسن منظّراً في "فتح"، ضد اليسار والقوميين العرب. وإذ كان ينكر أنّه يميني حيناً، فإنّه كان حادّا إذا ما استُفز حيناً آخر، ويقول إنّه إذا كانت القومية والإسلام يمينية فأنا يميني. ورغم أن إعجابي بأبي السعيد مرتبط بطريقته في التحليل السياسي واللغوي، أكثر منه بأفكاره الإيديولوجية، فإنّ كثيرين كانوا يسارعون لذكر التوجه اليساري لأشقائه بلال وعلي. أمّا هاني فكان وسطيّا.

تزامل خالد وبلال في عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية نهاية الستينيات، ومثّل كل منهما تيارا مختلفا. وتزامل خالد وهاني في عضوية اللجنة المركزية لفتح طويلا. وتحول علي من اليسار إلى الفكر الإسلامي والعمل الأكاديمي.

قصة هاني وأشقائه هي قصة الفلسطيني الذي أصر على قضيته؛ كان خالد مسؤولا وموظفاً كبيرا في الكويت، وكان عضوا مؤسسا في حزب التحرير، ولكنه ترك العمل المرموق، والإيديولوجيات، والتحق بحركة التحرر الوطني، فكان قائدا ومنظراً فيها. أمّا هاني فهو الطالب الذي ذهب إلى ألمانيا وكان بإمكانه شق طريقه المهني من هناك، لكنّه قرر أنّ يكون طليعة "فتح".

هو السفير إلى إيران ما بعد الثورة، وصاحب مقولة "البندقية تزرع، والسياسة تحصد، ومجرم من يزرع ولا يحصد"، وكانت العبارة تقال في معرض الدّفاع عن عملية التسوية السلمية نهاية الثمانينيات، وتحولت حينها إلى شعار شعبي، وبرنامج عمل يردده أنصار "فتح". وأذكر صديقاً من جامعة اليرموك، أعاطني في العام 1989، دفاعاً مكتوبا بخط يد أنيق، قدّمه وطالب آخر ضمن مناظرة في الجامعة، حول التسوية، وكانت المخطوطة المكونة من صفحات عدة تبدأ بهذه المقولة.

نشرت صحيفة أسبوعية قبيل أوسلو في الأردن تعادي "فتح" خبرا ملفقاً عن هاني الحسن، وحياته الشخصية، وعندما اتضح رفضه أوسلو توقفت الأخبار.

في لقاء شخصي ويتيم مطول معه، منتصف التسعينيات، أخبرنا مبررات رفضه أوسلو، وأهمها أخطاء تكتيكية، منّها مرحليّة الاتفاق، فهو يرفض جعل التفاوض مراحل، ويرى إنهاء التفاوض مرة واحدة، مع إمكانية جعل التنفيذ على مراحل ولكن ليس التفاوض والاتفاق.

سعى الراحل إلى قيادة معارضة وصلت حد إصدار بيانات ونشرات ترفض الاتفاق، وتهاجم من توصّل إليه، ونجد في الصحافة أخباراً كانت تصفه في إحدى المراحل، بالرجل الثاني في "فتح"، بعد استشهاد خليل الوزير وصلاح خلف.

لم تنقطع علاقته مع ياسر عرفات، الذي حرص على عدم ابتعاد هاني كليّا. ومع عدم تبلور معارضة حاسمة لأوسلو داخل "فتح"، عاد إلى فلسطين وأصبح وزيراً وقياديّا في السلطة  الوطنية، وفسّر عودته بالمعارضة من الداخل وتقوية الخط الوطني.

لعل موقفه الذي بدا انتقاداً لإدارة "فتح" لملف "حماس"، كان آخر محطات بروزه، ولعل الإحباط والمرض أجبراه على الانسحاب من المشهد.

كان الحسن أهم مستشاري ياسر عرفات،  حين كان منصب المستشار مهماً فعلا، وقد صاغ مع أبو السعيد الخطاب الفتحاوي في الثمانينيات، وكان خطاباً متوازناً يجمع المقاومة والسياسة، وأعطى للقاعدة الفتحاوية برنامجاً سياسياً للدفاع عنه والالتفاف حوله.

متشعبة حياة هاني الحسن وثرية، ولكن أكثر ما أحب تذكره فيه، أنّه الطالب الذي أعاد بناء نفسه بعد النكبة، وكان يمكن أن ينجح في أوروبا، ولكنه عاد لتكون فلسطين بوصلته، حتى لو اختلف مع كثيرين في الطريق، واختلفوا معه. 

نشر في الغد الأردنية تاريخ 12-7-2012

الارشيف