اغتراب نضالي‏

 

من أسوأ الحالات التي يعيشها الإنسان في الحياة السياسية والاجتماعية والشخصية، ما يعرف في علم الاجتماع باسم الشعور "بالاغتراب (Alienation)، أو ما سمّاه علماء آخرون، وربما في سياق آخر، بـ "التشيّؤ"، وأهم أعراض هذه الحالة شعور الإنسان بالعجز عن التأثير في مسار حياته اليومية، وأنّه يعيش حالة انتظار حيث يقرر له آخرون مصيره، وما عليه فعله، وعكس هذه الحالة هو التمكين (empowerment).

على مدى شهور كرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس تصريحات محددة، آخرها ما بثته قناة إسرائيلية يوم الجمعة الفائت بأنّ التفاوض خياره الأول والثاني والثالث، وأنّ لا أحد يؤيد انتفاضة جديدة مسلحة، وأنّ القيادة الفلسطينية لا يمكن أن توافق على ذلك، مشيراً إلى "وجود إجماع فلسطيني يشمل حماس أيضاً على أن تكون المقاومة شعبية وسلمية". في اللقاء ذاته وفي جزء أهملته أغلب وسائل الإعلام وفيما يتعلق عباس بالعمليات المسلحة،  فإنّ عباس عندما حاول المذيع إحراجه برفع صورة له مع الأسيرة المحررة آمنة منى، حين قابلها في تركيا، وعرضها على الشاشة، قائلاً: "أنت قابلت آمنة منى وهي مخرّبة قتلت طفلا يهوديا." أمسك عباس بالصورة وقال "آمنة منى مواطنة فلسطينية، من حركة فتح، قاومت الاحتلال، وعفت إسرائيل عنها بعد معاقبتها، وهي لم تنته كإنسانة وفتاة فلسطينية وبشر، وعلي رعايته".

تعد انتفاضة ثالثة، (مسلحة تحديداً)، خياراً أقل شعبية في الشارع الفلسطيني، وحتى "حماس" التي نفت تصريحات عباس، قالت إنّ "التوافق كان على إعطاء المقاومة الشعبية أولوية في الضفة المحتلة، ولكن ليس على حساب المقاومة المسلحة".

المشكلة الأساسية في تصريحات الرئيس عبّاس، مع الأخذ بالاعتبار أنّ التصريحات الأخيرة كانت على قناة تلفزيونية إسرائيلية، أنّها تخبر الشعب الفلسطيني ما الذي عليه أن لا يقوم به، ولا تحدد حقا برامج عمل بما يجدر القيام به، ولا تقوم بتفعيل المواطن.

يمكن تلخيص الموقف الذي يقدّمه الرئيس الفلسطيني لشعبه في ثلاث نقاط؛ أولها، أنّ الخيار الأول هو التفاوض ثم التفاوض ثم التفاوض. والثاني، أنّ الاتجاه للمنظمات والمؤسسات الدولية هو البديل الذي يلي الخيارات الثلاث الأولى التي هي "التفاوض"، وما يمكن للمواطن العادي فعله في موضوع المؤسسات الدولية محدود، وقد عبر الفلسطينيون، خصوصا في الأراضي المحتلة، عن دعم كبير لخطوة الذهاب للأمم المتحدة قبل عشر شهور، طلبا للاعتراف الدولي، وتوقعوا أن يلي تلك الخطوة تصعيدا في المواقف، ولكن القليل حدث منذ ذلك الحين. والنقطة الثالثة التي يقدّمها الرئيس الفلسطيني، أنّه في حال تم تبني المقاومة فإنّ المقاومة الشعبية السلمية هي البديل الذي لا مانع من تبنيه.

هذا البديل الثالث، هو الوحيد الذي يؤدي إلى تغيير نسبي في المشهد، وإلى تمكين المواطن الفلسطيني من فعل شيء. ولكن ما يتوقعه الإنسان الفلسطيني من قيادته هو قيادة برنامج عملي في هذا الشأن، لا مجرد إعلان التأييد أو عدم ممانعته. القائد هو من يحدد الأجندة، ويفعّل الحراك الشعبي. وبطبيعة الحال لن يقوم القائد أو الرئيس كائناً من كان بهذا الجهد بنفسه أو وحده، بل من خلال قاعدة شعبية، هي في حالة عبّاس، تنظيمه "فتح" الذي يمكن أن يشكل قاطرة للقوى والتنظيمات الأخرى.

شكى بعض أنصار "فتح" في الأيام الفائتة من أنّ قوى اليسار (ومعهم أعداد من أنصار فتح أيضاً)، حشدوا في مظاهرات الاعتراض على زيارة موفاز، وضد قمع الشرطة للمتظاهرين، أكثر بكثير مما يجري حشده في تظاهرات مناهضة الجدار، وأنّ هذه المظاهرات لم تكن ضد الزيارة الملغاة فعلاً، بل هي أجندة توتير خارجية، وحتى لو سلّمنا جدلا بهذا الطرح، فإنّ السؤال أين أنصار "فتح" أنفسهم في تظاهرات مناهضة الاحتلال التي يتساؤلون عنها؟.

وظيفة القائد والحركة القائدة، قيادة الجماهير؛ تحديد الخيارات وبرامج العمل اليوميّة، والتفعيل والتحريك والحشد والتطوير والتثوير، ثم بعد ذلك يحق لها إعلان محذورات. أمّا تكرار ترديد المحذورات دون برنامج تفعيل، فيؤدي إلى حالة اغتراب. وما يعرفه علماء الاجتماع أنّ حالة السلبية والشعور بالعجز هذه تنتهي في كثير من الأحيان نهايةً مفاجئة بحالة غضب شديدة.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 9-7-2012

الارشيف