خصخصة الصمود‏

 

ما يحدث الآن في الأراضي المحتلة عام 1967، على الصعيد الاقتصادي غريب نسبيّا، حيث يتغلغل القطاع الخاص، في الحياة اليومية، بما في ذلك قضايا الصمود.

تربط الأنفاق قطاع غزة المحاصر مع مصر، لتكون رئة صمود، ولا تدار من قبل شباب يعملون بالعمل السري، ويقومون بالتضحية، وعندما تحصل حوادث لا يسمي المجتمع الضحايا شهداء، بل يتحدثون عن "وفاة" شخص في انهيار نفق، أو ما شابه. تدار الأنفاق على أسس الربحية والشراكة بالتكاليف والأرباح، وللعمال أجور ورواتب، وللبضائع القادمة عبرها تسعيرة، وأخيرا تجبي "حماس" أو حكومتها، ضرائب ورسوم عليها. ولكن الأنفاق تعمل بكفاءة وتؤدي وظائفها.

تحولت شريحة كبيرة جدا من الناس في الضفة الغربية إلى موظفين في السلطة، والجمعيات غير الحكومية الممولة دوليا، والشركات. وحصل كثير منهم على قروض من بنوك تجارية، وإذا كان البيت جزءا من الصمود فقد حصل البعض على بيته أو مواد بنائه، أو سيارته، بفضل قرض تجاري، وربما حصل على قرض لأغراض تعليمية وعلاجية واستهلاكية.

تشرف صناديق استثمار تابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية على بناء ضواحٍ سكنية في أراضي مهددة بالمصادرة، وبالتالي إشغالها بالبيوت والسكان الفلسطينيين حفاظا عليها، وتُنفّذ ضواحي مثل روابي والريحان على أسس تجارية ربحية.  

تستورد غزة البضائع الإسرائيلية أـو من مورّد إسرائيلي رسميّا، وربما لا يمكن الجدال أنّ هذا اضطراري خصوصاً في ظل الحصار. وتُقام في ظل الحصار مجمعات تجارية (مولات) في غزة من مستثمرين قريبين جداً من "حماس". وفي الضواحي السكنية في الضفة، وبحسب تقارير صحافية وقعت الشركات التي تبني الضواحي عقود توريد مواد بناء وخدمات مع شركات إسرائيلية، وإذ يمكن افتراض أنّ لا بديل في بعض الحالات عن مورد إسرائيلي، يبدو الأمر مثيراً للاضطراب؛ فمن جهة تقول مصادر أنّ هذه الشركات مطالبة بموجب العقود معها بعدم توريد أي مادة أو خدمة من المستوطنات، وهذا يغضب إسرائيليين، ولكن مقابل المورد الإسرائيلي للضاحية العربية، سرت مزاعم قبل سنوات أن مسؤولين في السلطة متورطون بتزويد جدار الفصل العنصري بإسمنت، فما الذي يجري؟!

كانت هناك محاولات في الماضي لإقامة جمعيّات كبرى لدعم صمود القدس، أخذت على عاتقها بناء بيوت، وترميم القديم منها، وفشلت غالبيتها العظمى، أو حققت نتائج متواضعة. والآن هناك مثلا "شركة القدس القابضة"، التي يشترك فيها رجال أعمال فلسطينيون، منهم من يُتداول اسمه بين حين وآخر باعتبارهم مرشحون لمنصب رئيس الوزراء، وتشترك فيها صناديق استثمار السلطة الفلسطينية. تأسست الشركة قبل 18 شهرا، ولو قُيض لها إنجاز مشاريعها وأفكارها فستكون علامة فارقة في المدينة، والصمود العربي هناك، وستحقق ما فشلت فيه منظمات وجمعيات مختلفة، ولكن لا بد من الانتظار للتيقن مما يحدث.

تبدو "توليفة" القطاع الخاص والصمود غريبة، وليس تصدّر رجال الأعمال للمشهد في زمن الاحتلال والحصار، وفي الضفة والقطاع على السواء، أمراً معهوداً.

يعتقد رجال الأعمال الذين ينفذون هذه المشاريع أنّهم "طلائعيون" يقودون الصمود، ولا يوجد سبب لعدم تصديقهم.

تستحق هذه الظواهر التأمل.

تحظى بعض القضايا بشبه اتفاق على أنّها من عوامل التهدئة مع الاحتلال، مثل "ورطة" أو "مسألة" الرواتب والقروض. وبناء البيوت والشوارع للفلسطينيين بالمقابل أمر هام وحتى بناء مجمع تجاري (مول) أمر جيد ومهم أيضا، فمن حق الفلسطيني أن يعيش كما يعيش الإنسان في أي مكان في العالم، وأن توفر له سبب البقاء.

"تتخيل" وتتمنى أن يحدث صدام وتنافس بين رجل أعمال فلسطيني وصهيوني، لا أن يتكاملا. وتتمنى مثلا أن تتولى شركة زراعية فلسطينية مهمة التصدي إعلاميا وقانونيا لمزروعات المستوطنات التي طردت المزارع العربي من المشهد.

أحد الأسئلة الحاضرة؛ كيف يمكن بناء سلطة ودولة بينما الاحتلال والحصار قائمان؟ وكيف يجتمع الصمود في وجه العدوان والتطهير العرقي والاستيطان، مع قطاع خاص نشط في كل مكان؟ كيف نضع خطة لليوم الذي ينتهي فيه حصار غزة، لئلا يصبح قطاع الأنفاق وشركاته في أزمة، أو سبب أزمات جديدة؟  كلها ظواهر تحتاج للفهم قبل القبول والرفض.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 8-7-2012    

الارشيف