عمّان... هل تتعلم السفور؟‏

 

في بستانٍ يعجّ بالأشجار، في قرية على مرمى وردة من القدس، وعلى بُعد جدار عنصريّ  فاصل، أجلس مستمعا لأغنية حيدر محمود، ونجاة الصغيرة، "أرخت عمان جدائلها فوق الكتفين"..

أتذكّر زياد جيوسي صاحب مدونة "أطياف متمردة"، المولود في الزرقاء، والذي "عاد" ضمن العائدين إلى فلسطين في العقدين الأخيرين، وهو يكتب متغزلا بعمّان، فترسل فتاة نابلسيّة الأصل، في أبوظبي، مقالاته بالبريد الالكتروني، فنقرأها.

وتكتب عائدة النجار، كتابها اللطيف الثري الأصيل "بنات عمّان" حيث عاشت منذ النكبة، وبدأت طفلة في مدارسها الابتدائية، ثم شبّت ابنة رجل صناعة مرموق، تتظاهر في شوارع عمّان انتصارا لفلسطين والعرب، وتُتبعه بكتاب "القدس والبنت الشلبيّة"، حيث عاشت طفولتها المبكرة.

بين أشجار زيتون ولوز ومشمش القدس، على بعد خطوات من قبر لعازر، الذي أعاده المسيح بأمر ربه من الموت، تلّح علّي ذكرى شجرتي فستق عمّانيتان؛ يوم وقفت وأنا في نهاية المرحلة الابتدائية، مع غيث، في أرض بستان بيتهم المنيف العريق، يشرح لنا عن التلقيح بين شجرتي الفستق الحلبي، الذكر والأنثى. ويخاطب المُزارع بضرورة إشعاره عند قيامه بالعملية يدويّا ليشاهدها. كان الأمرُ مدعاةً للدهشة. كانت المرة الوحيدة التي شاهدت فيها غيث،  اصطحبني إليه جارهم "ابن صفي" في الكلية العلمية الإسلامية..  كنت قادماً من حي شعبي غير بعيد، إلى حيث بيوتهم قرب الدوّار الأول. كان زميلي في "الكلية" حفيد أحد مؤسسي المدرسة، فكنت أشعر أني أزور تاريخ عمّان.. وبالقرب كانت مكتبة جمعيّة أصدقاء الطفل، التي دخلت عبر كتبها وقصصها وأجوائها، عوالم خيال وحميمية.. كنا نلعب كرة القدم في باحة بيت أحد أهم قيادات الإخوان المسلمين التاريخيين في الأردن، قرب مستشفى "ملحس"، وتنطبع في ذاكرتي لحظة دخولي برفقة حفيده إلى مكتبتهم المكتظة.  

زميل في الجامعة، كان يكبرني بعشرين عاما، لدينا الكثير لنختلف عليه سياسيّاً، ولكن تخرّج كلينا من الكلية العلمية الإسلامية، أوجد موضوعاً مشتركا. كانت تسعدني قصصه عن المدرسة مطلع السبعينيات، وقصصه عن أنور الحناوي رحمه الله، وكيف كان يتعامل مع الراغبين بالخروج في المظاهرات.

بيت الفستق مهجور الآن.. وبيوت كثيرة فارغة.. لم أعرف أنّ بيت الملك طلال كان هناك أيضا، وكنا نمر بجانبه كلما يمّمنا شطر المكتبة.

عشتُ السبعينيات والثمانينيات، وعرفت عن الخمسينيات والستينيات، من كتاب النجّار وإصدارات مركز الأردن الجديد، بإدارة هاني الحوراني، وبرفقته حسين أبو رمان، ومن رواية "الشهبندر" لهاشم غرايبة، ذاكرة عمّان العشرينيات من القرن الماضي، والثلاثينيات والأربعينيات العمّانية في مذكرات عبد الرحمن شقير.

وكتب هاني الحوراني مقالات عن مقاهي عمّان، منها "الدبلومات"، على الدوار الأول، وذكريات صاحب المقهى (يوسف المعلم) عن زواره من شخصيات عمّان التاريخية.

إحدى أجمل وأثرى جلسات مؤتمرات تاريخ الأردن الاجتماعي، التي كان ينظمها مركز الأردن الجديد، الذي آمل أن يعود للحياة ويستأنف نشاطه، يوم تحدّث مهندسون معماريون يقدّمون صورًا، عن تاريخ بيوتات عمّان، وكيف عكس المهندسون خريجو الجامعات الغربية تصاميم البلدان التي درسوا فيها، ومهندسون أردنيون من أصل غير عربي عكسوا ثقافتهم، ثم ظهر جيلٌ تبّنى طُرزاً عربية وإسلامية.. شعرتُ أنّ حجارة البيوت نطقت..

أرسل لي فدائي سابق قبل أيّام مخطوط كتاب يوثق فيه حياته ونشاطه في عمّان، منتصف السبعينيات، وإشرافهم على التواصل مع الأرض المحتلة؛ تحدّث عن حي المصاروة، ومخبز الأمانة، ومسجد الصفدي، وسجن المحطة، وضباط مخابرات أظهروا لهم الاحترام والتقدير، وشعرتُ كم تمتلئ عمّان بالحميمية والأسرار..

تتمنى وأنت تجلس في مقهى بشارع الرينبو، كان يوماً بيتاً عريقاً، تناقش قضايا سحب الجنسيات، وقضايا المواطنة وحقوقها، تتمنى أن لا تناقش ذلك، لأنّ عمّان والامتزاج بها أجمل وأجلّ.. تتأمل حياة الناس في البيوت التي تحولت إلى مقاهٍ ومطاعم، وتقول لو جاءونا بنبأ من سكنوا هذه البيوت يوماً لكان المشهد أجمل.. تنظر إلى سيدة "في كامل مشمشها" تسير في الشارع، تتخيلها خارجة من صفحات رواية الشهبندر، وتتذكر قصص حب برعمت هناك، وقصص حزبيين، وتجار، وفنانين، ومدرسين..  

كيف لعمّان أن تتعلم السفور، ليتبدّى ما تكنّه من الجمال؟.. 

نشر في الغد الأردنية تاريخ 6-7-2012

الارشيف