عرفات.. ملفات ومراحل عالقة

تذكّر كثيرون ووسائل إعلام في الأيّام الماضية ذكرى دخول الرئيس ياسر عرفات فلسطين، بعد اتفاقي أوسلو وغزة أريحا أولا، واستقبال الشعب الفلسطيني له استقبال الأبطال، وبُثت حينها خطاباته التاريخية، التي تجسّد كاريزما الرجل، الذي كان قد وقع اتفاق سلام خلافي مؤقت، ولكنه لا زال يجد طريقة للتأكيد على أنّ الاستشهاد أمنيته. 

قدّمت قناة "الجزيرة"، أول أمس، تقريرا حول عمليّة قتل عرفات، في عمل صحافي متميز للغاية، حول ماذا قتل عرفات؟ (وليس من؟)، ويجدد التقرير الخلاف الداخلي في الحلقة الضيقة القريبة من الرئيس عرفات، من خلال تجديد الاتهامات التي وجهتها أرملة الرئيس لأفراد آخرين في هذه الحلقة بأنّهم "مستورثين" على حد تعبيرها، أي أنّ الخلافة كانت همهم الأكبر، وليس اكتشاف ملابسات اغتياله.

ظهر في الفيلم أشخاص مثل المستشار الخلافي محمد رشيد (خالد سلام)، الذي عاد أيضاً للضوء مؤخرا بواسطة مقالاته في "الجزيرة. نت"، ومقابلاته في "العربية"، وينبش فيها مراحل من حياة الرئيس عرفات، استخدمها لتصفية حسابات مع آخرين في الحلقة الضيقة حول عرفات. وفيما قاله رشيد كثير من الاتهامات، وقليل من المعلومات ذات المصداقية، خاصة أنّ رشيد تحدث تقريبا عن كل خصومه الداخليين دون أن يخبرنا عن نفسه، وأسرار صعوده الغريب، إلى جانب الرئيس الراحل، ثم سرّ اختفائه سنوات قبل عودته، ودون أن يخبرنا كيف يوافق رئيس مثل عرفات معروف بتديّنه، ومراعاته للمزاج الشعبي، خصوصاً الديني والعائلي والتقليدي، على مشروع مثل "كازينو القمار" في أريحا، ولا يجيب رشيد، ومقابلاته في العربية، عن أي سؤال تقريبا يتعلق به هو شخصيّا، مما يريد الناس معرفته.

لعل أكثر وأهم ما جاء به فيلم "ماذا قتل عرفات؟" (جيد أن نلاحظ أنّ السؤال عن (ماذا)، وليس عن (من)؟ـ أنّ وسائل إعلام تتابع التحقيق، وليس الجهات التي يُفترض أن تفعل ذلك.

لا نعرف ملابسات الفيلم التي جعلتنا نرى صحافيين غربيين يقومون بالعمل الاستقصائي لهذه القضية العربية، في قناة عربية، لكن هذا يعيد إلى الذهن أنّ عرفات، أثناء حياته وبعدها، كان موضوعاً لعدة كتب ودراسات قام بها باحثون وصحافيون غربيون، وفي أحسن الأحوال عربٌ كتبوا بالإنجليزية، ولكن كتاباً واحداً حقيقياً لم يصدر بشأن عرفات بالعربية ويتضمن دراسة محكمة. وهناك مجموعة كتب أُسميها في ذهني دائما بعنوان سلسلة "مذكراتي مع عرفات"، فقد كتب أكثر من شخص كتبا عن مراحل عاشوها مع عرفات، طالت أو قصرت، ومن هؤلاء بسام أبو شريف، ومروان كنفاني، وعماد الفالوجي، وغيرهم، والملاحظ أنّ أغلب هؤلاء ليسوا من "فتح"، وجمعتهم بعرفات مراحل محددة.

تَذكُّر عودة عرفات إلى فلسطين، أشبه باستحضار بيت الشعر "وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر"، ولكن جدل الاغتيال، وجدل "الاستيراث" والوراثة، وجدل المشاريع والرجال الخلافيين في حياة عرفات، يعكس كله الفراغ السياسي الراهن، وحالة الوقوع في أسر مراحل سابقة، ستبقى تطل علينا.

بدءا من قصة محمد دحلان، مرورا بمحمد رشيد، وصولا إلى ملف اغتيال عرفات، هي قضايا شغلت الرأي العام في العام الماضي، واستهلكت الكثير من الجهد والوقت، وسط فراغ في التقدم في أي ملف فلسطيني، على صعيد التحرير، أو حماية الشعب الفلسطيني في وطنه والشتات، أو حل قضايا المعاناة الحياتية اليومية.

لقد كان عرفات قائدا وطنيا كاريزميا استثنائيا، ولكن هذا لا يلغي أنّ كثيرا من أساليبه وسياساته ورجاله خلافيون؛ أسلوبه الأبوي (البطريركي) في الثورة، الفاسدون أو المتهمون بالفساد في حلقات قريبة منه، قراراته المصيرية، من وقفوا ضده في حياته ثم انقلبوا معه بعد استشهاده،... إلخ.

من المتوقع أنّ يسقط أي جهد للحديث عن عرفات في فخ التمجيد أو الهجوم غير الموضوعيين؛ ولكن بحثا علميا (وتحقيقا أكاديمّيا) حقيقيا في حياة عرفات أمر ضروري، أما مراوحة قضية اغتياله مكانها، فهي دليل عدم فعالية في مستويات عديدة في الأداء الفلسطيني الراهن، فمع غياب أي مشروع وطني حقيقي الآن، وغياب أي خطوات ذات معنى في الحياة الفلسطينية، من الطبيعي أن تبقى الملفات والوجوه القديمة في الصدارة. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 5-7-2012 

الارشيف