رفض حماس للانتخابات‏

 

علّقت حركة "حماس" أعمال لجنة الانتخابات المركزية، وتسجيل الناخبين في "غزة"، وقدّم المتحدث باسم الحركة سامي أبو زهري مبررات لذلك منها ما أسماه الانتهاكات الأمنية في رام الله، وصعوبات تواجه تسجيل جميع الناخبين. أمّا النائب الأسير في سجون الاحتلال، عن "حماس" وصفي قبها، فقال "إن الحديث عن أي نوع من الانتخابات هو سابق لأوانه"، وقال "لا يعقل أن يدور الحديث حول هذه الانتخابات، سواء كانت مـجالس محلية أو تشريعية أو رئاسية في ظل السطوة الأمنية، وتكميم الأفواه، ومنع الحريات العامة، وحظر الانتماء السياسي".

لا يمكن فهم رفض "حماس" للانتخابات وفق المبررات المعلنة، ويشير التفكير بها إلى أنّها مجرد ذرائع.

لقد منعت "حماس" في غزة لجنة الانتخابات من أداء عملها لوقت طويل، وأصبح رفض الانتخابات هو أكثر ما تحرص عليه الحركة الآن. ويدعم هذا الرفض وذرائعه المعلنة فرضية أنّ الهدف الحقيقي هو رفض المصالحة، وهو تعبير عن قبول ورضا بواقع الانقسام، وحرصٌ على الاستمرار في السلطة في غزة.

إذا كان هناك تحفظ من حركة "حماس" على سياسات ومواقف الرئيس الفلسطيني، وإذا كانت الحركة مقتنعة بقوة موقفها الشعبي، فالأصل أن تطالب بتسريع الانتخابات لإحداث التغيير، أمّا في الموقف الحالي فإنّ "حماس" هي العقبة الأكبر أمام أي تغيير في القيادة الفلسطينية.

في كل الحالات تطالب الشعوب عادة بإجراء انتخابات حرة ونزيهة تأسيسا لوضع جديد، إلا في حالة "حماس" حيث تحتج على الوضع، وتعلن رفض انتخابات هي المخرج من هذا الوضع.

لدى "حماس" ثلاث ذرائع على الأقل في موضوع الانتخابات؛ أولها مسألة احترام نتائج الانتخابات، وزعمها بعدم وجود ضمانة أن تلتزم "فتح" بهذه النتائج، ولا تكرر ما قامت به سابقا من عدم التعاون، وعدم التسليم التام للسلطة. والواقع أنّ إجابة  هذا التذرع في شقين، أولهما، أنّ مسألة ترتيبات نقل السلطة يمكن الاتفاق عليها، وفق تصور متكامل مسبق، ولكن لا يبدو أنّ "حماس" مهتمة بهذا، ووافقت على تأجيل الحديث عن طبيعة التغيرات المفترضة في أجهزة الأمن في غزة والضفة. والشق الثاني الذي لا يجوز التغاضي عنه أنّ "حماس" لم تحترم أيضاً نتائج الانتخابات، فقد حاولت تجاهل مؤسسة الرئاسة الفلسطينية، بسلسلة إجراءات بدءا من تأسيس أجهزة أمنية جديدة، وتحديدا "القوة التنفيذية" مع أنّ القوانين الأساسية الفلسطينية، والترتيبات لسنوات طويلة، والسابقة لفوز "حماس" كانت أنّ هذه الأجهزة تتبع الرئيس. وحتى مع افتراض بأنّ هذه ترتيبات خاطئة، فإنّ العلاج بطريقة فرض الأمر الواقع لم يكن سلوكا فيه احترام لنتائج الانتخابات، وتحديدا الشق الرئاسي منها، فبقدر ما امتنعت فتح عن التعاون مع "حماس" بقدر ما تجاهلت "حماس" مؤسسة الرئاسة.

أمّا موضوع نزاهة الانتخابات، وهي الذريعة الثانية، فقد كانت الانتخابات الماضية عام 2006 دليلا على نزاهة الانتخابات، وكان من الممكن الاقتناع بجدية هذا الطرح لو ناقشت "حماس" شروط الإشراف والنزاهة للانتخابات، أمّا رفض العملية برمتها استناداً إلى التشكيك فهو أمر غريب.

الذريعة الجديدة وهي موضوع الحريّات وأداء الأجهزة الأمنية إزاء المواطنين والسياسيين، فهو أمر يفترض أنّ الانتخابات من أهم وسائل تغييره، ولكن الأهم من هذا، هل توافق "حماس" على تحقيق محايد بأداء أجهزتها الأمنية، وأداء الذراع العسكري لحركة "حماس" (كتائب القسام) أثناء ما يسمونه الحسم العسكري؟ وهل هناك موافقة على التحقيق في الإعدامات الميدانية، التي قامت بها عناصر القسام، دون محاكمة، واعترفت بها "حماس" وحكومتها، أثناء حرب غزة، على أشخاص ربما يسيء لهم وعائلاتهم اتهامهم بالعمالة (دون محاكمة)، أكثر مما يسيء إعدامهم؟ وهل يمكن فتح سجل الحريات السياسية عموماً في الضفة والقطاع؟.

ما تقدّمه "حماس" من أسباب لرفض الانتخابات غير مقنع، فلا بد من المطالبة بالانتخاب بهدف إجراء تغيير سياسي ينتج عنه معالجة قضايا الحريات، وطرح تصورات سياسية جديدة. يصعُب فهم الموقف الحمساوي الحالي من الانتخابات إلا بـأنّه رفض للمصالحة، وحرص على الاستمرار في "الحكم" في غزة. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 4-7-2012

الارشيف