عندما ارتفعت الهوية الخضراء في رام الله‏

 

ستبقى صور قمع المظاهرة السلمية التي قام بها أفراد منهم من هم أعضاء في حركة "فتح" أو مقربين منها، في رام الله، احتجاجاً على زيارة كانت مرتقبة لنائب رئيس الوزراء الصهيوني شاؤول موفاز للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهي الزيارة التي قيل أنّ إلغاءها، حتى قبل التظاهرة، جاء استجابة للرفض الشعبي، ستبقى متداولة طويلا، وربما لأعوام، وستستخدم لإدانة أجهزة أمن السلطة.

كانت التساؤلات قبل هذه التظاهرة حول موضوعين: الزيارة وإلغاؤها، أمّا الآن فسيتضاءل السؤالان أمام سؤال قمع المشاركين في الاحتجاجات على الزيارة، (مظاهرة السبت)، ثم الاحتجاجات على القمع (الأحد).

كانت أول الأسئلة التي يثيرها اللقاء، هو لماذا ينعقد؟ وما معنى كون القيادة الفلسطينية قد أعلنت اشتراط وقف الاستيطان للعودة للتفاوض؟ وأثير مؤخرا موضوع الأسرى، بديلا أو مرافقا لموضوع الاستيطان، وكأنّ المرحلة هي البحث عن مبرر للعودة للمفاوضات، رغم أن أهم سبب لعدم التفاوض هو عبثيتها، وأنّها غطاء للسياسات الاستيطانية، وعملا من أعمال العلاقات العامة الإسرائيلية، ولا شيء تغير على هذا الصعيد. قال كبير المفاوضين الفلسطينيين المستقيل منذ أمد، صائب عريقات، "إن اللقاء لن يكون تفاوضيا؛ لأن ملف المفاوضات من شأن رئيس الوزراء الإسرائيلي وفريقه التفاوضي"، والسؤال: إن لم تكن الزيارة كذلك فما مبررات عقدها، وهل هناك ما يبرر أي لقاء مع الإسرائيليين إلا التفاوض والسعي لحل سياسي؟! وإذا كان سقف التوقعات من الزيارة منخفض كما يقول عريقات، فلماذا تجري؟!

السؤال الثاني هو لماذا جرى التراجع عن الزيارة؟. فالحديث عن أنّ الضغط الشعبي هو السبب، أمر يبدو للوهلة الأولى يستحق الاحترام، ولكن بجانب الاحترام لا بد من القول إنّ هذا السلوك يعبر أصلا عن خلل سياسي. ففي حالة صحيّة، يفترض أنّ الاتجاه للمفاوضات يتمتع بتأييد قاعدة شعبية، ما، هي مثلا حركة "فتح" بصفتها القاعدة السياسية للرئيس الفلسطيني، وكان يمكن أن يكون هناك مظاهرات معارضة مقابل موقف تأييد من قوى شعبية أخرى. فمثلا عندما عاد المفاوضون من مدريد عام 1991 حملوا على أعناق الجماهير المؤيدة، فكان لديهم ما يدعم شرعيتهم، أمّا الآن فالاعتماد على الأمن؟!. الاعتقاد بعدم وجود أي قاعدة مؤيدة لبرنامج التفاوض، يتطلب إلغاء البرنامج ورحيل أصحابه.

السؤال الثالث، كيف يكون التراجع السريع احتراماً للرأي الشعبي، ثم يقمع المتظاهرين مرتان، الأولى يوم خرجوا للاحتجاج على الزيارة (السبت)، ثم خرجوا احتجاجاً على القمع (الأحد). كان بإمكان السلطة استخدم المظاهرات المعارضة ورقة أمام الضغوط العالمية للذهاب للتفاوض بأنّ المعارضة الشعبية تمنع هذا، ولكن لا شيء يبرر ضرب المتظاهرين. والتبرير بأنّ المسيرة غير مرخصة أو ما شابه، هو تجاوز لأنّ الأصل أنّ الشرطة الفلسطينية مسيسة، ويمكن أن تجد وسيلة تفاهم، سوى العنف، الذي يرتبط بأذهان الفلسطينيين بممارسات الجنود الإسرائيليين. وهو ما دفع المتظاهرون في رام الله لرفع هوياتهم الشخصية خضراء اللون، الفلسطينية، في وجه شرطتهم، في إشارة إلى أنّهم فلسطينيون، ولا يتوقعون العنف ضدهم.

المشكلات الأهم في المحطات الثلاث: الموافقة على الزيارة، والتراجع عنها، وقمع المحتجين عليها، هي حالة عدم الوضوح في أسباب اتخاذ كل قرار؛ في الذهاب للزيارة، والنغمة المتكررة مؤخرا عند كل لقاء فلسطيني – إسرائيلي، أنّ هذه ليست مفاوضات!. أمّا التناقض بين ادّعاء التراجع استجابة للرأي الشعبي وسلوك أجهزة الأمن الفلسطينية، فيعزز فرضية أنّ الإلغاء لم يكن سببه الإرادة الشعبية، بل بطلب من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية، رغم نفي مكتب نتناهو ذلك، وأخيراً فإنّ التناقض المزعوم بين الموقف السياسي وسلوكات رجال الأمن هو في حال كان حقيقياً مؤشر على عدم وضوح الرؤية وعدم التناسق بين السياسي والأمني.

لم يعد الفلسطيني يعرف ما هو تفاوض وما هو غير تفاوض، ومن السلطة ومن المعارضة، وما الذي يريده السياسي ويريده الأمني. يعبر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عن التعامل مع المظاهرة بقوله هذا "إفلاس سياسي". 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 3-7-2012

الارشيف