حماس" والأردن: صفحة جديدة؟‏

 

بينما كانت الزيارة التي قام بها رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل مطلع هذا العام، بعد تأجيل متكرر، وتمت بمعية ولي عهد قطر الشيخ تميم بن حمد، جاءت زيارته الحالية مفاجئة. لكن هناك مؤشرات تنفي أن يكون إعداد اللقاء الحالي سريعاً أو مرتبطا بتطور مفاجئ  في العلاقة بين الحكومة الأردنية ومراكز صنع القرار، والحركة الإسلامية في الأردن، بشأن الملف الانتخابي وملفات الإصلاح، دون أن يعني هذا أنّ الملف أو ترتيبات الشأن الإقليمي، خصوصا السوري غائبة حقاً عن سياق الزيارة، وربما تكون قد سرّعت بها. تعطي تركيبة الوفد الحمساوي بعض الدلالات؛ فقد جلس ابراهيم غوشة، الناطق الرسمي السابق باسم الحركة، إلى يمين خالد مشعل أثناء اللقاء مع الملك عبدالله الثاني، وغوشة كما هو معروف كان قد عاد إلى الأردن، بعد إبعاد قيادة "حماس" إلى قطر، وفق اتفاق أن يتوقف عن النشاط السياسي من الأردن، وبالفعل فقد ابتعد غوشة منذ ذلك الحين كثيراً عن المشهد، وها هو يعود، فهل هذا مؤشر على توافقات جديدة تمس النشاط الحمساوي في الأردن؟ كذلك فإنّ مشاركة خليل الحيّة، في الوفد وهو رئيس كتلة "حماس" المجلس التشريعي الفلسطيني، من قطاع غزة، يشير إلى أن تركيبة الوفد على ما يبدو أعدت على مهل، وربما تعكس تشعب ملفات اللقاء ما يتطلب تنسيق مجمل قطاعات حركة "حماس".    

في الجهة الأخرى كان حضور رئيس الوزراء فايز الطراونة، مذكراً بالغياب النسبي لحكومة سلفه عون الخصاونة عن اللقاء السابق، في مؤشر آخر على الأجواء والترتيبات المختلفة لهذه الزيارة، وعلى وجود تصور واحد ومتفق عليه في دوائر صنع القرار المختلفة في الأردن حول الزيارة. كذلك كان لافتاً في الزيارة الفائتة وجود مؤشرات على جهود لخفض حجم التوقعات لمستقبل العلاقة بين حماس والأردن، فعدا غياب الخصاونة، كانت التفاصيل والتصريحات حول الترتيبات البروتوكولية حينها ومنها مثلا ترتيبات طعام الغداء، ومواجهة مشعل الإعلام منفردا بعد اللقاءات، تدل على شيء عالق في أجواء الزيارة، واختفى كل هذا الآن.

في الزيارة الماضية كان هناك تسريبات أنّ مشعل لم يلتق قيادات الإخوان المسلمين الأردنيين، فيما كان محاولة أخرى لتقليل دلالات الزيارة، وإعطاء تطمينات حول دور "حماس" في الأردن. هذه المرة يبدو التحفظ أقل، فقد حمل خالد مشعل نعش القيادي كمال حسني غناجة، أثناء جنازته، بينما أمّ المرشد العام للإخوان المسلمينن همام سعيد، الصلاة عليه، فيما يعطي انطباع عن مرونة أكبر تحيط بهذه الزيارة.

يكشف تعدد لقاءات "حماس" في الأردن، بين المخابرات، والحكومة، والملك، تشعب ملفات العلاقة بين الأمني والسياسي، ويصبح السؤال إلى أين تمضي العلاقة؟ وماذا يريد كل طرف من الآخر؟. إلى مدى يمكن لحماس أن تقوم بنشاطات دبلوماسية واتصالات انطلاقا من عمّان؟ ربما يبدو موضوع الدعم اللوجستي العسكري لقطاع غزة انطلاقا من الأردن أمرا غير مطروح، وكثير من الأذرعة الإعلامية والبحثية والتنظيمية للحركة موجودة في لبنان الآن. لكن وجود الأردن ملجأً، (ربما احتياطيّاً) لكثير من الأذرعة الإعلامية، والإدارية، للحركة، في حال اضطرت لذلك أمر تحرص عليه "حماس"، كما أنّ علاقات الأردن الدولية قد تساعد "حماس".

في الوقت ذاته فإنّ إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، وربما إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني يعنيان اتساع دور "حماس" داخل الدوائر الرسمية لصناعة القرار الفلسطيني، ما يزيد أهمية التنسيق والحوار معها. كذلك فإنّه إذا قرر رئيس "حماس" المضي قدما في فكرة المقاومة المدنية والعمل الشعبي، فإنّ تواصله وفريقه مع الضفة الغربية، يصبح ذو أهمية أكبر، وبالتالي التواجد في الأردن. في الوقت ذاته يساعد وجود "حماس" في عمّان على المزيد من الاعتدال في خطابها بشأن العملية السياسية التي يحرص الأردن على دعمها، وعلى تجديد المفاوضات مع إسرائيل. 

تطور علاقة "حماس" بالأردن وفتح صفحة جديدة، يبدو ممكنا، ولكنه مرتبط عمليا بوجود صفحة جديدى فلسطينيا: المصالحة، وإصلاح مؤسسات العمل الفلسطيني، والانتخابات، والمقاومة الشعبية، والمفاوضات، فتحرك هذه الملفات أو بعضها، يزيد من فرص حرص الجانبين على تحسين العلاقات الثنائية. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 1-7-2012

الارشيف