إعادة تعريف المساواة في إسرائيل‏

 

يجري في "إسرائيل" حالياً جدل حول موضوع دخول اليهود الأصوليين الأرثوذكس للجيش أو الخدمة المدنية، والذين يحصلون على إعفاء من الخدمة الإلزامية على اعتبار أنّها تتعارض مع معتقداتهم الدينية، أو ليتمكنوا من التفرغ للعلم الشرعي. وبينما كانت نسبة هؤلاء الطلاب من مجموع الشبان المطلوبين للخدمة أقل من 3 % منتصف السبعينيات، تكاد تصل النسبة 15 % هذا العام.وشهد الأسبوع الماضي مظاهرات احتجاج في القدس ضد قانون جديد يقلّص هذا الإعفاء. جزء من المشكلة أنّ القانون يعني فقدان المدارس الشرعية اليهودية كثيرا من تلاميذها الذين يشجعهم الإعفاء من الجيش على الدراسة فيها، واكتساب حق تأجيل الخدمة حتى وصول سن الإعفاء. وفقدان الطلاب يقلل الدعم الحكومي لهذه المدارس. وبحسب الأفكار المتداولة الآن، فإن الإعفاء لا يتعدى 1500 طالب ممن يسمون "عباقرة التوراة". جدل العلاقة بين اليهود الأصوليين والدولة قديم؛ إذ رفض اليهود الأرثوذكس فكرة الصهاينة تأسيس دولة قبل ظهور المسيح، كما هو المعتقد اليهودي القديم. ورفضوا التحول إلى نمط حياة جديد في فلسطين، ورفضوا محاولات رجال أعمال يهود إيجاد مجتمع منتج. فمثلا، حاول موسى مونتيفيوري، اليهودي الإنجليزي الثري، دفع يهود القدس إلى الاعتماد على أنفسهم بدل الاعتماد على الإحسان، وأسس في نهايات القرن التاسع عشر مشاريع غرب القدس القديمة، منها مطحنة، وورش للحرف، ومزارع، لكن سكان المدينة اليهود رفضوا الفكرة طويلا، وتشبثوا بأن مهمتهم هي الحفاظ على قداسة القدس والصلاة هناك نيابة عن يهود العالم، وهذا يعطيهم حق الهبات والمساعدات.أحد أمثلة التوتر العلماني الديني اليهودي هو حاييم وايزمان، زعيم الحركة الصهيونية الذي كتب في رسالة لزوجته في 18 نيسان 1918، من القدس، بعد مكوثه أسبوعا فيها، يقول: "ليس هناك شيء مخز أكثر من قدسنا (...). من المستحيل تخيل هذا الكم من الزيف والتجديف على الله، والطمع، وهذا العدد من الأكاذيب". ويؤكد الكاتب توم سيغيف، أحد كتّاب ما يعرف بالمؤرخين الجدد، أنّ وايزمان "كره القدس بطريقة شديدة جدا"، ويقتبس عنه القول "إنها مدينة ملعونة، لا شيء هناك، لا مخلوق مريحا". ويشير سيغيف أنّ وايزمان في محاولته إقناع مسؤول في الإدارة العسكرية البريطانية بأن نوعية اليهود "أفضل من السكان الأصليين"، لم يجد بدا من القول إنهم أفضل أيضا من يهود القدس الأصوليين. زار العالم اليهودي المشهور ألبرت أينشتاين القدس العام 1923، في سياق حملة زار خلالها الولايات المتحدة لجمع تبرعات لبناء الجامعة العبرية. ورغم استمتاع أينشتاين بالتكريم الذي لقيه من اليهود في فلسطين، فإنه لم يخف امتعاضه من مجتمع اليهود الأصوليين، فقال عن زيارته حي البخاريين في القدس: "(رأيتُ) يهوداً قذرين". ووصف المصلين قرب حائط البراق بأنهم "أناس علقوا بالماضي، غير واعين للحاضر".وجاء في كتاب للرحلات صدر في بريطانيا مطلع الستينيات عن القدس أنّه "يستحيل العيش هنا، حتى لفترة قصيرة، دون مواجهة الصراعات الدينية"، ويقصد صراعات المتدينين ممن يريدون احترام تقاليد معينة ليوم السبت، من مثل منع حركة المواصلات، والتزام النساء بملابس محتشمة، مع مجموعات علمانية دفعها تشدد المتدينين واستخدامهم وسائل عنيفة أحيانا كإلقاء الحجارة على السيارات المتحركة أيام السبت، أو التهجم على النساء اللاتي يرتدين ملابس قصيرة الأكمام أو ما شابه، إلى تشكيل رابطة سميّت "رابطة منع الإكراه الديني".قررت حكومات إسرائيل بعد العام 1948 تبني نمط من علاقات المقايضة والمساومة مع الطوائف الأصولية اليهودية. إذ دخلت الجماعات الدينية الحياة السياسية والانتخابات لمقايضة الأصوات، مقابل مكاسب وتنازلات من المؤسسة الحاكمة تتضمن تكريس قوانين أحوال شخصية خاصة بكل طائفة، وتقديم دعم مادي للمدارس الدينية ولمؤسساتهم الطائفية، وإعفاء ضريبي، والإعفاء من الخدمة العسكرية.ما حدث لوقت طويل أنّ الأصوليين اليهود أخذوا حقوق المواطن كاملة أو حتى فائضة، مقابل إعفائهم من واجبات كثيرة. وإذا نجح الآن تغيير هذا الوضع ولو نسبيّا، فقد تقل الجاذبية الدنيوية للجماعات الدينية، لكن تغلغل هذه الجماعات في الجيش والمؤسسات المختلفة في الدولة يبشر بمزيد من الاتجاه للأصولية للكيان الصهيوني.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 28-6-2012

الارشيف