العولمة والسيادة في الأزمة المالية العالمية‏

 

تنعقد اليوم وغدا قمة أوروبية في بروكسيل، مهمتها الرئيسية مناقشة سبل إنقاذ الدول الأوروبية التي تعاني انهيارا اقصاديا. وقد أقرت المبادئ العامة للترتيبات الاقتصادية للإنقاذ في قمة مجوعة العشرين قبل عشرة أيام، وما سيحدث اليوم هو نقاش الشروط الألمانية، التي تتضمن مطالبة الحكومات الأوروبية تقليص سيادتها على إدارة بنوكها لصالح اتحاد بنكي وإشراف مشترك.

تبدو أسئلة العولمة والسيادة في بؤرة الأزمة المالية العالمية.

عندما اندلعت الازمة عام 2008 بدا أنّ "مجموعة العشرين" تؤسس لاتفاقية بريتون وودز جديدة، على غرار الاتفاقية التي وقعت إبان الحرب العالمية الثانية وأنشأت الصندوق والبنك الدوليين، واتفاقيات التجارة الحرة. بدا أنّ مجموعة الدول العشرين، والتي تمثل 80% من اقتصاديات العالم (من بينها السعودية)، ستأخذ زمام قيادة العالم اقتصاديا، وبدا أنّ العالم متجه لمزيد من العولمة، بإيجاد قوانين موحدة عالميا لإدارة شؤون القطاعات المالية والمصرفية والاستثمار.  

جاء الرفض الأقوى لوضع نظم تقيد البنوك ومدرائها من قبل قوى داخل الولايات المتحدة الأميركية. أيّ أنّه بينما يتخيل كثيرون أنّ العولمة تعادل الأمركة، كان المحافظون الجدد ومعهم مدراء البنوك والشركات، في الولايات المتحدة هم من أثاروا موضوع السيادة، وطبعا المقصود السيادة الأميركية، ورفضوا سلطة أجهزة اقترحتها مجموعة العشرين على بنوكهم.

في القمة الأخيرة في المكسيك، بدا أنّ هناك تحركٌ في اتجاهين الأول حل للأزمة الأوربية في نطاق أقليمي أوروبي وآخر لتعزيز المؤسسات العالمية، وأهمها صندوق النقد الدولي. ولكن الاهتمام الحقيقي كان في الإطار الأول، ما يؤكد أهمية النظم الإقليمية في العلاقات الدولية حاليا، على حساب العولمة.

يعد الصعود الألماني من أهم ملامح اللحظة الراهنة، فإذا كانت الولايات المتحدة هي الراعي والممول في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فإنّ ألمانيا التي كانت قد خرجت مهزومة عندما تأسست بريتون وودز، هي محور الاهتمام الآن لأنّها هي من يرفض خطط إنقاذ اسبانيا واليونان وتضع قيود مالية معينة امام استخدام صناديق الطوارئ والإنقاذ الأوروبية، وذلك بفضل قوة اقتصادها، ولأنها الممول الأهم لخطط الإنقاذ. أمّا الولايات المتحدة، التي تؤثر الأزمة الاوروبية في اقتصادها، والتي تريد للحليف الأوروبي أن يبقى قويا، فبدت وسيطاً بين الأوروبيين، كمن يلعب دور الأخ الأكبر، لكنه الأخ ذو الموقع المعنوي، ولم يعد الأخ الذي كان يضع يده في جيبه ويخرج دفتر الشيكات كما في الماضي. أمّا فرنسا، فقد بدا رئيسها الاشتراكي الجديد، فرانسوا هولاند، كالطفل المستجير بالأستاذ الأميركي، فهو يعلم أنّه وعد الناخبين الفرنسيين بتقليل التقشف، وهذا يحتاج لموافقة المانية بتقديم تسهيلات مالية جديدة وتغيير خطط الطوارئ الاقتصادية، فاستنجد هولاند بالرئيس الأميركي باراك أوباما للتوسط عند السيدة الألمانية أنجيلا ميركل وقد نجحت الوساطة. والآن سيناضل هولاند أمام الشروط الألمانية التي تنال من موضوع السيادة، وهو أمر حساس في فرنسا. أمّا بريطانيا فرغم أن قرارها استثناء نفسها من الدخول في عملية اليورو، وفي ترتيبات اقتصادية معينة، أعفاها من تحمل كثير من تفاصيل العبء الأوروبي، على أن استمرار تطور الإجراءات الأوروبية بمعزل عنها، عدا عن أنه يقلص الأهمية السياسية لبريطانيا، لصالح ألمانيا، فإنّه قد يؤدي لأن تجد بريطانيا نفسها خارج برامج يمكن أن تستفيد منها أو تحتاج إليها ماليا.

تقرر في قمة العشرين زيادة إسهام الدول الناشئة، (الصين، والبرازيل، والمكسيك، والهند وروسيا)، في موجودات صندوق النقد الدولي، وهذا يعني تغيير في تركيبة مجلس إدارة الصندوق والقدرة التصويتية للدول الأعضاء، ولكن الحقيقة أنّ هذه الموجودات هي فقط نحو ثلاثة أرباع ما وفره الأوروبيون لخطط الإنقاذ الخاصة بهم (500 بليون يورو). يعني تغيير نمط إدارة الصندوق مزيد من العولمة بمشاركة دول أكثر في إدارة الاقتصاد الدولي، ولكن دور الصندوق ذاته يتراجع لصالح النظم الإقليمية.

سؤال السيادة يبدو أساسيا الآن، والطريف أنّ قوى داخل الولايات المتحدة من أهم عقبات إجراءات معولمة تقلل السيادة.  في المقابل قد لا تكون برلين طامحة بأن تصبح قوة عظمى، ولكن الحقيقة أنّ الأنظار معلقة الآن بالألمان، لحسم كثير من الأزمات. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 27-6-2012

الارشيف