كواليس "فتح" بعد التصعيد في غزة‏

 

بقراءة البيانات والتحركات على الأرض، وبعض المصادر الخاصة، يمكن بوضوح تلخيص ما حدث في حركة "فتح" في الأيام الأخيرة. فبمجرد حدوث العملية عبر الحدود المصرية الأربعاء الماضي، دعت الحركة لجنتها المركزية لاجتماع، حيث استُدعيت قيادات الحركة في غزة، الموجودة في الضفة الغربية، من غير أعضاء اللجنة، للتواجد في محيط الاجتماع. وتم إخبار قيادات الحركة في غزة، بتوقع اتصال هاتفي من المجتمعين للتشاور.

ناقش المجتمعون العملية، والعامل الجديد الذي يبرز في المعادلة، والذي تستغله إسرائيل، وهو العمليات الغامضة قرب الحدود المصرية. وأُجري اتصال مع السفارة الفلسطينية في مصر، لاستعجال الحصول على معلومات أكبر حول ما يجري في سيناء. وعند هذه النقطة انضم قادة الحركة الغزيين للاجتماع، وأُجري اتصال مع غزة، والتأكيد على اشتراك كتائب شهداء الأقصى في التصدي للعدوان الإسرائيلي بما يليق بمكانة "فتح" التاريخية، ويليق بعهد الشهداء، وتم استعراض أهم المجموعات والقيادات وجاهزيتها لتكون في الميدان.

تحدّث المجتمعون هاتفيا مع قائد "حماس"، خالد مشعل، لبحث الموقف، والتأكيد على الوحدة والتصدي للاعتداءات الإسرائيلية، مع تفويت الفرصة على إسرائيل لشن حرب شاملة، والبحث في كيفية العودة للتهدئة، مع تأكيد قدرة الردع الفلسطينية، وعُهِد إلى مشعل بالتواصل مع قيادة "حماس" في غزة لإيصال موقف فتح، وتأكيد حرية الحركة لكتائب الأقصى للمساهمة في الرد على العدوان الإسرائيلي.

بعد الاتصال تم تكليف عضو اللجنة المركزية المسؤول عن الأندية والأنشطة الشبابية تعبئة شارع الضفة في تظاهرات مؤيدة لغزة، وتأكيد استنفار قوات الأمن تحسبا لرد الفعل الإسرائيلي، وطلب من مفوض المحافظات الجنوبية التوجه مباشرة إلى غزة والبقاء هناك، وطلب من مفوض العلاقات العربية نقل رسائل من الرئيس الفلسطيني لدول عربية حول ما يجري، مع محاولة اصطحاب ممثل عن كل من حماس والجهاد، وطلب من مفوضية العلاقات الدولية الاتصال بحركات التضامن العالمية، وقطع الطريق على استغلال إسرائيل للربيع العربي وانشغال العالم عن فلسطين.

هذا المشهد جزء من الخيال العلمي ليس إلا!.

ما حصل حقا منذ التصعيد في غزة، أنّ "فتح" انشغلت في الأيام الماضية بالخلافات التنظيمية الدائرة في غزة، واستقالة مسئول الحركة المعيّن حديثا هناك، يزيد الحويحى، التي تقدم بها بعد أقل من شهرين على تعيينه في موقعه.

لا تتعلق استقالة الحويحي، الأسير السابق والكادر المجرّب بخلاف سياسي، بل بقضايا مزمنة في "فتح"؛ فمسألة شعور كوادر "فتح" أنهم مهملون ليست جديدة، واستياء الحويحي، من عجزه عن الوصول لأعضاء اللجنة المركزية المعنيين بمتابعة شأن غزة، وعدم وجود إمكانيات مادية للعمل، هي سبب الاستقالة.

هناك مذكرات وقصص يرويها كوادر الحركة، منذ السبعينيات، عن كيفية العمل وتأسيس التنظيمات والخلايا، وتنفيذ العمليات، دون دعم أو تواصل مع القيادة. لكن هذا كان ممكنا في الماضي لأسباب، منها وجود خط سياسي واضح للحركة إلى حد كبير، وثانيا لأن ظروف الاحتلال والعمل السري كانت مبررا لعدم التواصل، والاعتماد على المبادرات الذاتية، وثالثا، لأنّه في النهاية كان يمكن الوصول لقادة بقامة خليل الوزير وأبو الهول، وأمثال حمدي سلطان، وأبو حسن قاسم، فيحلّون المشكلات، ورابعاً كان الانشغال بالمواجهة مع الاحتلال يؤدي إلى تضاؤل القضايا المختلفة لصالح المواجهة.

تحولت فتح إلى تنظيم سلطة وحكم في الضفة، وتنظيم غير مفهوم في غزة، ليست معارضة سياسية، ولا تتولى مهام تذكر في المواجهة مع إسرائيل.

منذ المؤتمر العام لفتح عام 2008، وما أفرزه من هيئات تنظيمية، يفترض أنّه اقترب موعد تجديدها بمؤتمر عام جديد، وهناك سعي متعثر لبناء التنظيم الفتحاوي، في مختلف المناطق، مع حلقة مفقودة لا تستوقف أحداً، هي أنّ بناء التنظيم لأجل التنظيم لا ينجح، وأنّه دون تصفية كل قضايا الترهل والفساد فلن تُحل المشكلات. لا أحد يدخل أو يلتزم بتنظيم لأجل التنظيم، ومن يفعل هذا فلأنه يحقق مصالح معينة، أو يتمسك بماض مجيد. لينجح تنظيم ما يجب أن يكون لديه برنامج وطني حقيقي للتحرير، نظيف ويضم الجميع. عندها سيفرز العمل النضالي الكوادر الحقيقية، وتتضاءل المشكلات الشخصية والمالية والتنظيمية. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 25-6-2012

الارشيف