الفاعلون" في غزة‏

 

إذا أردنا فهم ما يجري في قطاع غزة حاليا، علينا أولا معرفة القوى الفاعلة في صانعة القرار هناك. 

برزت في مواجهات آذار الماضي فصائل "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وفصائل صغيرة أخرى باعتبارها القوى التي تتولى المواجهة. حيث تركت "حماس" حينها مهمة الرد على الاعتداءات الإسرائيلية للفصائل الأصغر. وهناك كثير من المنطق في استنتاج أن بعض المجموعات ليست سوى واجهة لحماس، فهي لا تملك إمكانيات أو قدرةً على التحرك دون دعم وإمكانيات حماس، ومنها مثلا حركة الأحرار، وكتائب عبدالقادر الحسيني. ويشير اختيار حماس الرد عبر هذه الواجهات إلى وجود حسابات معينة معقدة (ربما بالمعنى الإيجابي) لدى الحركة في تحديد قواعد الاشتباك. 

قبل ذلك وفي مواجهات آب ٢٠١١، التي أسفرت عن استشهاد عدد من قادة المقاومة، منهم أبو عوض النيرب، بدأت المواجهات بعد عملية غامضة، قرب الحدود الجنوبية لفلسطين مع مصر، أثارت أسئلة وشكوكا أفصح عنها د. محمود الزهار. وتساءل عمّن هم المنفذون؟ ومن أين جاؤوا؟ ولماذا لم تعلن إسرائيل أسماء المشاركين فيها، ولم يتبنها فصيل فلسطيني، كما لم تُفتح بيوت عزاء في غزة لأيّ من المنفذين. 

دارت التكهنات حينها حول وجود جماعات سلفية، أو ربما بدوية مصريّة، لإحراج السلطات المصرية، أو ربما قوة من داخل غزة أرادت تنفيذ عملية، دون خرق تفاهمات التهدئة مع حماس، فارتأت تنفيذ عملية على الحدود.

يؤكد التصعيد الأخير أن قوى تنطلق من مصر أصبحت رقما في المعادلة. وتزداد الأسئلة حول العامل السلفي؛ هل يوجد حقاً تنظيم اسمه "مجلس شورى المجاهدين"؟. أعلن هذا التنظيم المفترض مسؤوليته عن عملية الأسبوع الماضي، التي تلاها التصعيد، وأعلن اسمين لمصري وسعودي، باعتبارهما من نفذّ العملية.

قررت حماس الرد على إسرائيل بنفسها هذه المرة؛ وبغض النظر عن أسباب تغير أسلوبها، بعدم ترك الرد لفصائل أصغر، فإنّ الأهم في المشهد الراهن هو التوقيت؛ حيث تخضع العمليات وتوقيتها لاجتهادات؛ أولها، الترحيب بأيّة عملية، في أيّ مكان وأيّ زمان، طالما هي ضد إسرائيل. والتصور الثاني، أنّه في بعض الحالات لا بد من ضبط النشاط على الجبهة، وفق اعتبارات وحسابات سياسية ولوجستية، وربط التصعيد بأهداف وخطط وجاهزيّة محددة وواضحة. وهو ما تبنته حماس في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت تمارس الضبط الميداني، وتطلب التنسيق بين الفصائل أو تفرضه. وتعتبر أن الحفاظ على التهدئة مطلوب، كما أوجدت قواعد اشتباك جديدة، أهمها أنّه في الوقت الحالي على الأقل، ومن غزة على الأقل، يكون استخدام سلاح المقاومة للردع والرد على إسرائيل وليس سلاح مبادرة بالهجوم. بهذا المعنى هناك إشكالية في غزة، هي أنّ الفصائل التي تتولى عملية المواجهة والصمود ليست هي ذاتها التي تتولى قرار الحرب والسلم، أو بكلمات أدق قرار التصعيد والتهدئة.

هناك وجاهة جليّة في ضرورة التنسيق بين فصائل المقاومة، في قرارات التصعيد والتهدئة، وفق حسابات سياسية وميدانية، بعيدا عن التوريط غير الواعي في المواجهات. ومثل هذا التوافق ليس وليد مرحلة سيطرة حماس في غزة، بل هو أمر بدأ عقب انتفاضة الأقصى، منذ أن كانت فتح في السلطة، وقبل أن تتوارى من المشهد الغزاوي، ويومها التزمت حماس والجهاد والفصائل الأخرى. 

تدرك حماس خطورة ظهور جماعات سلفية من هذا النوع، قادمة من العراق وغيره، لتتحكم في قرار وقواعد التهدئة والتصعيد. وأن تخلط الأوراق الإقليمية، خصوصا بانطلاقها من مصر، وتزجّ بحماس وغزة في مواجهات غير محسوبة، وتكمن المشكلة في أنّ لا سلطة لحماس على مثل هذه المجموعات.

إذا كان على حماس وغيرها توضيح كيف تنسجم التهدئة المستمرة، إلا إذا خرقتها إسرائيل، مع فكرة تحرير كامل فلسطين، فإنّ مسألة توقيت المواجهة والضبط الميداني باتت خاضعة لقوى غامضة وطارئة، تخلط الأوراق، وتوفر لإسرائيل ما تستغله، مستفيدة من حالة الفوضى، والانشغال العالمي والإقليمي بالربيع العربي. من هنا فإنّ فهم ما يحصل أولا أمر ضروري، وثانيا يتوقف على الجانب المصري كثير من وزر التصدي لهذه الحالة.

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 24-6-2012

الارشيف