راس روس‏

 

كتبتُ مرة على هامش رواية ليحيى يخلف عن المخيمات الفلسطينية في لبنان في السبعينيات، وأنا أقرأها في عمق ليلة صيفية بعيد حرب الخليج الثانية، مطلع التسعينيات، بينما أستمع إلى موسيقى عمر خيرت، كتبتُ أنّ الموسيقى التي لا يصحبها غناء ولا كلمات، كصفحات بيضاء، تهيّأت لتكتب عليها أغنيتك، وتجري فيها خيول كلماتك. كنتُ حينها أستعير الكتب من مكتبة عبدالحميد شومان في الشميساني، بعمّان، فوق قهوة الفاروقي. كان لبعض الكتب حميمية خاصة، مثل كتب منير شفيق أو باسل الكبيسي مطلع السبعينيات، لا بموضوعاتها ونمط الطباعة البيروتية، وحسب، بل وبالإشارة على أول صفحاتها بأنّها إهداء من الدكتور أسعد عبدالرحمن، أو شخص آخر، تسمع به، وقد تجد ملاحظات بخطه على الكتاب، فيتحول إلى ثروة حميمية؛ أصوّره في اليوم التالي وأغلفه ليكون لي، وأخط عليه ملاحظاتي وخواطري.

أين كان خليل السكاكيني، صاحب نظريات ومناهج التعليم، وصاحب كتاب "راس روس" الشهير، الذي تعلم طلبة الأردن وفلسطين اللغة العربية منه، حتى السبعينيات، يجلس ليقرأ كتبه؟ في مقهى الصعاليك في حارة النصارى، في القدس القديمة، الذي كتبَت عنه مراجع منها "القدس الشلبية" لعايدة النجار، وكان من رواده مع المثقفين والكُتّاب؟ أم وهو يسمع الموسيقى في بيته في القطمون بالقدس الغربية، حيث فاجأ ابنتيه دمية وهالة في الثلاثينيات، بدراجة هوائية، وفاجأته زوجته برفوف كتب جديدة؟! 

كتبَ السكاكيني بعد إخراجه من القدس، وقبل وفاته، العام 1953: وداعاً كتبي، تحية لبيت الحكمة، ومعبد الفلسفة، والمعهد القديم، وأكاديمية الأدب.. كم أحرقتُ معكِ زيت منتصف الليل، أقرأُ وأكتبُ في هدأة الليل، والناس نيام، تحيةً كتبي. لا أعرف ماذا حل بك، هل سُرقتِ؟ حُرقتِ؟ أم نُقلتِ باحترام إلى مكتبة عامة أو خاصة؟ أم شققتِ طريقك إلى بقالة للف البصل؟

الآن وبفضل حملة انطلقت قبل عامين في أمستردام عنوانها "سرقة الكتاب الكبرى"، بتنا نعرف أين الكتب، ونعرف أنّ عملية منظمة نُفّذت ما بين نيسان 1948 وشباط 1949، ضمن عملية سطو على المفروشات والممتلكات، وتضمنت جمع الكتب من منازل الفلسطينيين، بالتواطؤ مع الجيش الصهيوني، والحصيلة نحو 70 ألف كتاب من القدس وحيفا ويافا والرملة ومدن أخرى. وبثت قناة الجزيرة الإنجليزية فيلما عنها مؤخرا. أسماء أصحاب الكتب معروفة، أحدهم رأى كتبه في الجامعة العبرية، ورأى الإهداء عليها: "إلى رجل الفكر والأدب ناصر النشاشيبي"، كتبها صديقه أحمد قاسم جودة على كتاب "المكرميات". وأنت تطالع أسماء أصحاب الكتب: السكاكيني، محمد نمر الخطيب، إسعاف النشاشيبي، حنا عطالله، هاكوب ماليكيان، إميل صالح، وآخرين، تلمح ارستقراطية المكان والزمان والثراء الأدبي والفني والمسرحي في أحياء البقعة والطالبية والمصرارة وغيرها.

ذُهلت الكاتبة غادة الكرمي وهي تدخل حديقة بيتها وترى شجرة ليمون تظنها ذاتها التي تتذكرها في طفولتها، ويمنعها الساكن الإسرائيلي من دخول المنزل. تتذكر والدها الإعلامي الشهير في إذاعة لندن حسن الكرمي، صاحب برنامج قول على قول، وهو يجلس إلى مكتبه يغرق في مراجعها، يعد قاموسا لغويّا، وفقد كل شيء دون إتمامه عند الحرب.

الكتب موجودة في الجامعة العبرية والمكتبات الإسرائيلية، عليها إشارة خاصة، ويزعم القائمون على المكتبات أنّهم سيعيدونها يوما لأصحابها.

استولى الإسرائيليون كذلك، عام 1982 على أرشيف مركز الأبحاث الفلسطيني، ومكتبته في بيروت، إلى أن تمت استعادتهما في صفقة تبادل أسرى، لكن القيادة الفلسطينية أهملت المكتبة، وانتهى بها الأمر للتعرية الجوية والجرذان في معسكر بالجزائر.

هُجّر المفكرون والمثقفون من بيوتهم في القدس ويافا وحيفا، فبقي من بقي من فلسطينيين عقودا أيتاماً بلا قيادة ثقافية وسياسية. وخرج المسلحون والمثقفون والكتّاب من بيروت، وتدهورت المخيمات، حدثت فيها المجازر، وعادت سجونا بظروف معيشية بائسة، وانهار التعليم فيها، وتراجعت الثقافة، وأصبح الفلسطيني يعتقد أن الجميع ضده، حتى قياداته وفصائله.

هل يأتي الورثة للمطالبة بالكتب؟ ولهذا قيمة رمزية عالية. وهل تشكّل هذه المطالبة مقدمة للمطالبة بباقي الحقوق؟ وهل تستطيع جهة ما وقف تدهور حياة الفلسطينيين في لبنان، بعد أن كانت مؤسساتهم الثقافية مزدهرة يوما، وشريكة مع اللبنانية تستقطب وتخدم كل العرب؟     

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 22-6-2012

الارشيف