ثلاثة عوامل تحدد مكانة أمريكا عالميا‏

 

مع حلول سنة الانتخابات الرئاسية، في الولايات المتحدة الأمريكية، تكثر التحليلات والتساؤلات حول موقع أميركا على سلم القيادة العالمية.

هناك اتفاق واسع أنّ العالم يمر بمرحلة فريدة نسبيا؛ فتقليدياً كان باحثو العلاقات الدولية يتتبعون نمط العلاقات القطبية, أي معرفة ما إذا كان النظام الدولي متعدد الأقطاب، كما كان في القرن التاسع عشر، أم ثنائيا كما في القرن العشرين. أمّا الآن فللمرحلة سمات؛ أولها، حالة "لا قطبية" مع تفوق أميركي، ولكن الجديد أنّ هذا التفوق قد لا يستمر طويلا. وثانيا، أنّ النظم الإقليمية الفرعية تسيطر على العلاقات الدولية، وثالثا، تغيّر أنواع الفواعل الدولية.

تعتبر الولايات المتحدة القوة العالمية الأولى اقتصاديا وعسكريا وبتفوق كبير، فالاقتصاد الأميركي هو ضعف حجم اقتصاد الصين، ولكن الفجوة تضيق، وبحسب أرقام نشرتها دورية "فورين أفيرز" الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي نهاية العام الفائت، تراجعت حصة الولايات المتحدة من 23% من الدخل القومي العالمي إلى 20% بين عامي 1999 و2009، بينما تقدمت حصة الصين من 7% إلى 13%، واستمرار هذا الاتجاه، بحسب المجلة، يعني تفوق الصين عام 2016 في هذا المتغير. إلى ذلك لا زال الإنفاق العسكري الأميركي كبيرا للغاية، ولا زال الجيش الأميركي موجودا في العالم، بعكس أي قوة أخرى، ولكن وفي عهد باراك أوباما أُعلن عن تقليص ميزانية وزارة الدفاع بمقدار 78 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة، وهناك توقعات – بحسب المجلة -  أن تؤدي أزمة الديون إلى أن يصل الخفض في السنوات العشرة المقبلة 350 مليار دولار. وهذا الخفض نظريا هو الأول أميركيا، ولكنه عمليا بدأ قبل ذلك، إذ ازداد إجمالي الإنفاق الأميركي على التسلح منذ نهاية الحرب الباردة، بنسبة 57% ولكن تكلفة السلاح زادت 120%.

توزيع الخصوم أمر يستحق الانتباه؛ فبداية لا يوجد أي خصم للولايات المتحدة ينافسها في جميع أنحاء العالم، ولكن لديها منافسين وخصوم على مستوى كل منطقة. والمقصود أنّه في زمن الثنائية القطبية كان السوفييت ينافسون الأمريكان في كل مكان، وفي زمن التعددية كانت الدول الاستعمارية تتنافس في أنحاء مختلفة في العالم. ولكن الولايات المتحدة تتواجد الآن في كل مكان في العالم، بينما لا تتواجد قوة أخرى. فلا الروس ولا الصينيون موجودون أو قادرون أو مهتمون بذلك؛ فالصين يهمها نموها، وتوفير فرص عمل لمواطنيها، ورغم قوتها إلا أنها تعاني مشكلات سياسية واقتصادية داخلية كثيرة، ولذلك مثلا لا تستطيع ولا تحاول جديّا منع تدخل عسكري أميركي، في مناطق مثل العراق وليبيا وحتى إيران وغيرها. ولكن يوجد في المقابل أقطاب إقليميون على مستوى المنطقة؛ فلا يمكن تجاوز الصين في شرق آسيا، ولا بد من التفاهم معها. ولا يمكن تجاوز البرازيل وفنزويلا في أميركا اللاتينية، وإيران والسعودية في الشرق الأوسط. بكلمات أخرى تلعب أميركا في كل مكان، ولا يوجد من يجاريها في هذا، ولكن لديها منافسين وخصوما أو حلفاء في كل مكان، لا بد من رضاهم.

تغير نوع الخصوم مهم أيضاً، ولكنه سلاح ذو حدين؛ فالثورات، ومنظمات الإرهاب، والحركات المعارضة المسالمة، والعنيفة، وحتى التشكيلات القبلية، وحركات التمرد، باتت مؤثرا رئيسيا في العلاقات الدولية. مما يعني أن إنفاقا أقل على التسلح والتركيز على القوة البشرية قد لا يؤذي القوة الأميركية كثيراً، ولكن المشكلة قد تكون أن العقيدة العسكرية القديمة للجيوش كثيرا ما تجهل سبل مواجهة هذا النوع من الفواعل، حيث لا بد من أدوات سياسية وثقافية وإعلامية واقتصادية مختلفة، فيصبح السؤال: هل تجدي القوى العسكرية التقليدية والنووية في مثل هذه الحالات؟!

 بالمجمل ستبقى الولايات المتحدة هي القوة الأكبر لسنوات مقبلة، ولكن من غير المؤكد استمرار هذا طويلا، وأهم أسباب عدم اليقين هو تغير نوع فواعل العلاقات الدولية، ما قد يقلل من أهمية عناصر القوة التقليدية، كما أنّ قدرة واشنطن على ترجمة قوتها الاقتصادية والعسكرية إلى هيمنة تتراجع بسبب تغير بيئة العلاقات الدولية، وبسبب أخطاء أميركية سياسية وعسكرية حدثت في السنوات الأخيرة.  

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 21-6-2012 

الارشيف