نهر البارد.. أم اللاجئ في كل مكان؟‏

 

يسلّط ما حدث في مخيم "نهر البارد" شمال لبنان، يوم الجمعة الماضي، الضوء لا على مشكلات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وحسب، بل ويؤكد أنّ ملف اللاجئين وبعد نحو 65 عاما يراوح مكانه. فقبل لبنان، انتهى الأمر بمئات اللاجئين الفلسطينيين في العراق إلى البرازيل، يفترشون الأرصفة، دون دخل أو عمل أو تأمين صحي. كما قام النظام السوري بمحاولات لتحميل اللاجئين وزر الثورة هناك. وشُرّد كثيرون من سوريا مجددا، وصل بعضهم مدينة "سايبر سيتي" في الأردن، وسط تقارير عن معاناة معيشية بالغة. 

"نهر البارد" هو الأقل عسكرة بين المخيمات الفلسطينية في لبنان، وبقي خارج نطاق الحرب الأهلية اللبنانية، ربما بسبب بعده عن الجنوب اللبناني، مما أدى إلى نوع من الاستقرار النسبي فيه، فتمكن كثير من الأهالي من تحسين وضعهم المعيشي، لا سيما باغترابهم للعمل في الخارج.

جاءت أحداث الجمعة الماضي بُعيد تصريح من الرئيس الفلسطيني محمود عباس، جاء فيه "نحن في لبنان سلاحنا غير شرعي، ولا نريده لا داخل المخيمات ولا خارجها. نحن بحماية الدولة والجيش اللبناني".

وجد أهالي المخيم عام 2007 أنفسهم وسط حرب لا علاقة لهم بها، وبحسب بعضهم فإنّ عدم وجود سلاح فصائلي في المخيم، كان عاملا في جلب مجموعات "فتح الإسلام" الإرهابية بأجندة غير فلسطينية، وأدت حرب الجيش ضدهم إلى هدم المخيم، ما بدد حياة كثيرين من أهل المخيم، وجهدهم لبناء منازلهم وتأمين قوت وحياة عائلاتهم.

تواصلت مع بعض سكان المخيم لأتأكد مما يتداوله الإعلام.

ما زالت تفاصيل الحياة اليومية ذاتها في المخيم، التي عاشها اللاجئون في الخمسينيات والستينيات؛ يحتاج اللاجئ تصريحا للسكن وآخر للعمل، وثالث للدخول والخروج من المخيم. حتى قدوم زائر لجنازة أو عرس من خارج المخيم، يحتاج تصريحا. وفي الوقت الذي تم فيه تعويض اللبنانيين  المحيطين بالمخيم ماليا، جرّاء ما أصابهم في مواجهات 2007، لا زال كثير من سكان المخيم يشكون عدم تعويضهم، أو هزالة التعويض، رغم الأموال الممنوحة دوليا وعربيا لهذا الغرض.

يحيط بالمخيم سياج شائك، يحوله إلى سجن كبير، ولا زال ملعب كرة القدم ممنوعاً.

يتشابه مشهد الجمعة الماضي، كما يسرده أهالي المخيم مع مشاهد سنوات ما بعد النكبة في المخيمات؛ فتى فلسطيني يقود درّاجة (موتورسيكل) يطالبه الجنود داخل المخيم، وليس على أطرافه، بأوراق الدرّاجة الرسمية، يُبرزها ولكنهم يضربونه بقسوة، فيتدخل الأهالي، ويقوم الجنود كما ذكر أكثر من شخص بضرب النساء والأطفال. (تقول مصادر الجيش أن الفتى لم يمتثل لأوامر الجنود).  

تظهر برامج وثائقية تلفزيونية صُورت خلال الأعوام القليلة الماضية في المخيم عربات عسكرية تسير بسرعة كبيرة، غير أبهة بالأهالي وسط المخيم، وما قد يسقط من ضحايا، وهو مشهد رأيناه في الخمسينيات والستينيات. حاول ضابط لبناني الجمعة الماضي، وبحسب الأهالي، اختراق الحشود المحتجة سلميّا، بعربته، وعندما فشل، جيء بآليات وعربات أطلقت نيرانها، فقتلت شخصا وجرحت آخرين.

لم يؤد تحسن العلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية، والدولة اللبنانية لحل مشكلة مثل نهر البارد. ولم يؤد صعود حزب المقاومة، حزب الله، إلى تغير وضع اللاجئ، ومساواته باللبناني في تعامل الأمن.

على اللاجئ أن يصارع يوميّا لا للحصول على علاج، ودراسة، وتصاريح عمل، وحركة، وحسب، بل وأن يتعايش مع فئران وحشرات وحيوانات، تُقاسمه منازل غير ملائمة للحياة البشرية. لا زال الحصول على حرية حركة ابنته إلى مدرستها أمرٌ معقد، ولا زال حضوره جنازة أو عرسا أمرا معقدا، والحصول على حصة كافية من الهواء والشمس والماء، والتخلص من النفايات والروائح الكريهة والمياه الآسنة، من معضلاته اليومية، والتي تسبب معارك بين أهالي المخيم أنفسهم. لا زالت عملية إعادة إعمار المخيم بعد خمس سنوات تعاني مشكلات كثيرة، البيوت الجديدة أصغر من القديمة، وبمخالفات كثيرة، وكثيرون لم يتسلموها بعد.

لا تضع منظمة التحرير، ولا الحكومات العربية، ولا المنظمات الدولية حداً لمعاناة اللاجئ، ومنحه كرامته الإنسانية. وهذا جَلَب وسيجلب دائماً، انعكاسات سياسية وأمنية خطيرة.

نشر في الغد الاردنية بتاريخ 19-6-2012

الارشيف