المُنتنة الجديدة ..‏

 

جازفتُ قبل سنوات وانتقدتُ حزب الله وهو في ذروة شعبيته؛ انتقاداً نابعاً من خيبة التوقعات، وعتباً إن جاز التعبير نابعاً من إعجاب ومحبة؛ فاجأني حينها أنّ الحزب بعد انتصاره التاريخي على إسرائيل لم يقدّم خطة وحدويّة؛ وانحصرت عضويته وأيديولوجيته بالطائفة الشيعية، وعكست تحالفاته براغماتية تقليدية، منها التحالف مع ميشيل عون، وبالتالي عدم لعب دور في إصلاح البنية الاجتماعية والسياسية في لبنان والمنطقة. ولا يبلغ هذا الانتقاد بالتأكيد درجة إدانة السلوك الإجرامي والخائن، لبعض خصوم الحزب، مثل "القاعدة"، والقوات اللبنانية.

ينجرف عدد هائل من الجمهور العربي الآن لتبني منظور طائفي إزاء أحداث سورية، ونحو حزب الله، بذريعة أنّ مذابح سورية تعكس فرزاً طائفيّا، وأنّ أسباب تباين موقف الحزب بين سوريا والبحرين طائفية. ولم يعد مستبعدا أن نرى قريباَ من يؤيد العنف الأعمى ضد "العلويين"، باعتباره انتقاماً مبرراً، رغم أنّ بعض أصحاب هذه النظرة علمانيون، وبعضهم كان يرفض سابقا مجرد انتقاد حزب الله.

لفهم ما يحدث لا بد من إدراك تغير طبيعة الصراعات والحروب.

بنت ماري كالدور كتابها "الحروب الجديدة والقديمة"، المنشور عام 1999، بالدرجة الأولى على أحداث البلقان، وعرضت فيه مجموعة من الأفكار التي يمكن الاستناد إليها في هذا السياق.

بنيت السياسية في زمن الحرب الباردة، وهي أيضاً مرحلة التحرر من الاستعمار وبناء الدولة في كثير من أماكن العالم، على الإيديولوجيات والأفكار المفتوحة ليتبناها الجميع، لأنها لا تعتمد على هويّة موروثة بحكم المولد، وكان الخطاب القومي، وبناء الدولة الحديثة، جامعاً.

بانتهاء الحرب الباردة توارت الإيديولوجيا، وتحولت أنظمة ثورية لطبقات حكم سقطت شرعيتها تدريجيّاً وتباعاً، بفشلها في تحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية، وبتحولها إلى زُمَر عائلية حاكمة. فلجأت للحفاظ على سلطتها إلى تبني "سياسة الهوية"، فيكون الحكم والحاشية من طائفة أـو قبيلة بعينها، وتَضطّهِد فئات أخرى وتتهمها بالعمالة. حدث هذا في عراق صدّام، ويمن علي عبدالله صالح، وسوريا الأسد، وغيرهم. وتزعم هذه الطبقات علنا رفض الخطاب الفئوي، ولكن بنيتها وتشكيلاتها تقوم على جماعات ذات هوية فرعية. ومع حالات الفساد والفشل الاقتصادي ينشأ اقتصاد موازٍ لنخب متحالفة مع النظام، ويصبح لهم "أزلامهم".

يستفز هذا مواطنين، وهويات فرعيّة مضادة، تكّون أحزابها وأطرها الخاصّة. وتختلط عوامل خارجية وداخلية، ومعطيات عصر العولمة، لرسم المشهد.

تنشأ ظاهرة المعارضين في الشتات الذين يخططون لتحرير بلدانهم من مقاهي لندن وباريس، مستفيدين من الفضائيات ووسائل الاتصال الجديدة، في خوض حربٍ افتراضية وإعلامية، وينقلون الأموال والإمكانيات بطرق مختلفة.

تدعم دولٌ طوائفَ وجماعاتٍ وتقوّيها لتكون دعامة وامتدادا لها، وتلجأ لها طوائف للحماية والدعم، كما في حالة إيران، أو حالة دول استعمارية كما فعلت أمريكا في العراق، من دعم للطوائف المضادة للنظام.

 تستحضر النُخَب المتصارعة ذكريات مريرة وتضخمها لحشد المؤيدين، وتقوم الحروب الجديدة على بث "الخوف والكراهية" بدل "كسب القلوب والعقول"، التي كانت تقوم عليها الحروب الثورية. وقد تُحاوِل أنظمة وجماعات التخلص من كل من يحمل هوية مختلفة، بالطرد، والإبادة، وبحروب نفسية واقتصادية مختلفة.

وتتم "خصخصة" العنف؛ فتعتمد الدولة أو الجماعات السياسية، على عصابات وأنصار، (شبيحة، وبلطجية، وزعران)، وتظهر مجموعات شبابية مغامرة، تمارس العنف والخطف، والقتل،...إلخ. ويتبنى النظام، وربما المنشقون هذه المجموعات، التي ما تلبث أن تستقل، وقد تمارس نشاطات إجرامية منظمة، من تهريب، ومخدرات، واتجار بالبشر وبثروات البلاد من نفط، ومعادن، وسوق سوداء. وتنتشر حالات قتل واغتصاب تحت تأثير المخدرات والكحول، وتقع مجازر متبادلة.

تظهر قوات نظامية منشقة عن النظام، قد تتقاتل بينها أيضاً، وقد ينشق المنشقون عن بعضهم.

ومن سمات الصراعات الجديدة، وجود الصحافة العالمية، والمرتزقة، والمستشارون العسكريون، والجمعيات غير الحكومية العالمية، وهيئات حقوق الإنسان، وقوات حفظ السلام.

ليس الحل بالانزلاق الطائفي، بل بالبحث عن الإنقاذ، كمحاولة قوى وجماعات سياسية إسلامية وعلمانية، مجددا دفع حزب الله، لاحترام تاريخه، وتبني موقفٍ مختلف مما يحدث في سوريا، وأن تطرح هذه القوى تفكيرا جديّا وجذريّا، وتخاطب الجماهير، للتراجع عن حروب الهويات الفرعية ونبذ من يتبناها. 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 14-6-2012

الارشيف