ألمانيا "العظمى" و"الأولاد في تل أبيب"‏

 

تعتبر ألمانيا فصل المقال في كثير من شؤون العالم اليوم، الفرنسيون واليونانيون، يترقبون قرارات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في الشؤون المختلفة، فقد باتت ألمانيا صاحبة القرار الأول في خطط الإنقاذ المالي، وسياسات دول الاتحاد الأوروبي الاقتصادية الداخلية، بفضل قوة اقتصادها داخل الاتحاد.

يتضمن تحقيق ديرشبيغل الأخير الموسّع عن تزويد ألمانيا إسرائيل بغواصات نووية، تفاصيل "مذهلة" لا تتعلق بتزويد إسرائيل بالسلاح وحسب، بل وعقود من مخالفة السياسيين الألمان لقوانين بلدانهم والتحايل، وحتى السرقة، وأحيانا بمعاونة حكومات أخرى كبريطانيا، لتزويد إسرائيل بالسلاح، ومن ذلك نقل أسلحة، نهاية الخمسينيات، والإعلان عن سرقتها!. بل إنّ مواد متفجرة سلّمها وزير دفاع ألماني شخصيّا مطلع الستينيات، مغطاة بالقماش، للبعثة الإسرائيلية في كولون، قائلا "هذه الأولاد في تل أبيب". كما زوّد الجيش الإسرائيلي ومنذ الخمسينيات بأسلحة تتضمن طائرات، ودبابات، وبنادق طائرات وغيرها وكانت تسجل باعتبارها "قرضاً"، رغم أن ألمانيا ليست من الدول الأكثر كرماً في تقديم المساعدات الخارجية، ووجهت مؤخرا انتقادات لرئيس وزراء بريطانيا في صحيفة بلاده لتقديمه مساعدات عالية نسبيا للعالم، مقارنة بألمانيا وفرنسا اللتان لم تقدما ما اتُفق عليه أوروبيا.

رغم أنّ ألمانيا وافقت قبل العام 1990على صناعة غواصات لصالح إسرائيل، وتحمل جزء من التكلفة، مع توقع تحمل الولايات المتحدة جزءا، فقد انسحبت إسرائيل من المشروع بسبب تكلفته، حتى جاءت صواريخ صدام حسين للعراق، ومارس الإسرائيليون الابتزاز للألمان، فقالوا لهم من غير المعقول أن تساعد ألمانيا العراق لتصنيع غاز سام، بينما تعطينا واقيات الغاز، وأنتم "تعلمون كم تعطي كلمتي غاز وألمانيا معاً مدلولاً سلبيا، في إشارة لغرف الغاز، والمحرقة (الهولوكوست) في الحرب العالمية الثانية. وعلى الإثر مُنحت إسرائيل شحنة أسلحة ضخمة، واتفق على تزويدها بغواصتين. ثم توالت صفقات الغواصات إثر لقاءات سرية عقدتها الدولتان. وقد قام المستشار السابق جيرهارد شرويدر بتوقيع أمر الغواصتين الرابعة والخامسة في آخر يوم عمل له سنة 2005.

تستطيع الغواصات الإسرائيلية الألمانية السّت، إطلاق صواريخ محمّلة برؤوس نووية تزن 200 كلغ، تصل حتى إيران والعراق، وزودهم بها الألمان وفق معادلة تقوم على عدم السؤال إن كانت إسرائيل تستخدمها لأغراض نووية عسكرية، فيّدعي السياسيون عدم المعرفة، مع أن الخبراء العسكريين الألمان يدركون تماما الغرض من التصميم.

زودت ألمانيا الفلسطينيين العام الماضي بمبلغ 93 مليون دولارا، جزء منها للسلطة الفلسطينية، وجزء للمجتمع المدني والجمعيات الأهلية، ولكن أهمية المبلغ تتضاءل أمام ما تقدمه لإسرائيل.

حاولت أنجيلا ميركل، كما تكشف ديرشبيغل، أن تحصل من نتنياهو على مكاسب للفلسطينيين مقابل الغواصة السادسة، كوقف الاستيطان، والسماح لألمانيا ببناء محطة صرف صحي في غزة، والإفراج عن الضرائب التي هي حق الفلسطينيين، ولم يحصل الألمان على شيء من هذا. وبينما يدّعي الألمان أنّ مساعداتهم للفلسطينيين في إطار دعم حل الدولتين، فقد رفضوا دعم طلب الفلسطينيين بالاعتراف الدولي في الأمم المتحدة، وعرقلوا طلبهم عضوية اليونسكو.

ثلاث نقاط نقطتان تستحق التوقف بعد هذه التفاصيل، أولاهما كيف يمكن أن تكون لدى الفلسطينيين توقعات جديّة بشأن دعم العالم حقوقهم الوطنية، حتى بأقل من الحدّ الأدنى؟!.

ثانيا، تصف المجلة الألمانية ذاتها "إسرائيل" بأنّها "أرض الضحايا"، وتتحدث تصريحات بن غوريون أنّ "اليهود لن يقبلوا الاقتياد للذبح كالخراف ثانية". يُذبح الفلسطينيون كل يوم على يد الإسرائيليين، وتعمل ألمانيا وفق معادلة: مقابل ذبحنا اليهود في الماضي، نمكّنهم من ذبح سواهم اليوم.

النقطة الثالثة، هي لماذا كشف هذه التفاصيل الآن تحديداً؟ فمجلة ديرشبيغل توضح أنها دخلت إلى الغواصات، على عمق أكثر من 7 أمتار في البحر، قرب جبل الكرمل شمال فلسطين، فكيف ولماذا؟ على السطح تبدو قصيدة الألماني غونتر غراس الحائز على جائزة نوبل للآداب، قبل أشهر، والتي ذكر فيها الغواصات الألمانية الممنوحة لإسرائيل، سببا في تحريك هذا الموضوع، ولكن هل هذا هو السبب فقط؟ هل هي رسائل موجهة لإيران؟ أم للربيع العربي؟ أم للاستهلاك الداخلي الإسرائيلي؟ أم كل هذا معاً؟ 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 7-6-2012

الارشيف