حزيران .... من أيّة دفعة أنت؟

 

ترتبط التحولات في حياة كثير من العرب والفلسطينيين بمحطات القضية الفلسطينية، فهناك "دفعة" ثورة ١٩٣٦، ودفعة "النكبة ١٩٤٨"، ودفعة العدوان الثلاثي ١٩٥٦، ونكسة حزيران ١٩٦٧، ودفعة غزو بيروت ١٩٨٢، وانتفاضة الأقصى ٢٠٠٠، وحرب غزة ٢٠٠٨/ ٢٠٠٩.

أنا من "دفعة ١٩٨٢"؛ كنت الصبي الذي بدأ يعي العالم بطريقة مختلفة منذ ذلك الحين. آخرون ترتبط ذاكرتهم بمحطات أخرى. على كثرة ما قرأت وسمعت وشاهدت حول غزو حزيران ١٩٨٢، يبقى خطابٌ أثّر فيّ على نحو خاص؛ خطابٌ لم أستطع العثور عليه في أي مكان، وأعتقد أنّي سمعته مرة واحدة، على شاشة التلفزيون الأردني، الذي بث مباشرة وقائع جلسات المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته بعمّان ١٩٨٤. خطاب الكاتب والصحافي المستقل، اللبناني الفلسطيني، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان سابقا، عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، رحمه الله. احتج شفيق الحوت على المبالغة في تصوير حرب بيروت على أنها انتصار، وقال شيئا مثل: إذا كان تشتت قوات الثورة على بلدان بعيدة عن فلسطين انتصاراً فأين الهزيمة؟ تعلمتُ دروسا منها أن الصمود والبطولة تستحقان التمجيد لكنهما لا تلغيان ضرورة التحليل الواقعي للنتائج السياسية. وحين كتبت يوماً عن حرب غزة ٢٠٠٩، بعنوان: أين هو الانتصار يا مشعل؟ فإنّي كنت على الارجح أستبطن أو أستلهم درس الحوت، وأعتبر توقف الصواريخ والتهدئة والخسائر البشرية متعارضة مع فكرة النصر. 

سمَحَت محاضرات مؤسسة عبد الحميد شومان نهاية الثمانينات، والتي كان يديرها بأناقة ساحرة د. أسعد عبدالرحمن، أن أحضر وأنا طالب جامعي لمحاضرة من الحوت، وأن أحادثه بعد المحاضرة، لاحتج على تمجيده التيار الاشتراكي العربي، وقلتُ أليس هو سبب هزيمة 1967؟ ولم أتفق مع إجابته، أنّهُ لولا الاشتراكية العربية لكانت الخسارة أكبر. طبّقتُ عليه درسٌ تعلمته منه، لم أقبل الشعارات الفضفاضة.

مع نهاية التسعينيات كنت أصبح باحثاً في قضية فلسطين، وسمح اتاحة وثائق أراشيف بريطانية وأميركية وإسرائيلية عن حرب 1967، بمناسبة مرور ثلاثين عاما، بكشف تفاصيل إضافية عن الحرب. قرأت في الوثائق البريطانية شخصيا، وقرأت كتبا اعتمدت على الأراشيف، صدمتني تفاصيل منها أنّ احتلال الجولان جاء بعد تردد إسرائيلي شديد، حيث لم يكن هذا مخططا، ولكن الجولان كان شبه فارغ من القوات السورية، ما جعل الضباط الميدانيين يلحون لاستغلال الفراغ بينما السياسيين الإسرائيليين متخوفون من ردة الفعل السوفياتية، إلى أن اتضح أن لا داعي للخوف. فاجأني أن السياسيين الإسرائيليين وقد فاجأهم دخول الأردن الحرب رغم عدم استهدافه إسرائيليا، كانوا على خلاف أين سيصلون، ولم يكن هناك إجماع على استمرار احتلال القدس. كانت حربا تساوت فيها جيوش الأنظمة الرجعية والتقدمية كما كان يسميها بعض الإعلام حينها.  

ضاعفت التفاصيل عن الجبهة الفارغة، وعدم جاهزية سلاح الجو السوري، المرارة التي كنت أشعر بها إزاء النظام السوري، منذ موقفه السلبي أثناء حرب 1982، وحروب المخيمات، والمجازر ضد الفلسطينيين، التي جرت بأيدٍ فلسطينية ولبنانية أواسط الثمانينات بتحريض وإسنادين عسكري وسياسي سوريين. وجعلني كل هذا لا أتقبل فكرة "تيار الممانعة".

حزيران هذا العام مختلف قليلا؛ فالنظام السوري طالما قدّم، ومن خلفه كتاب ومثقفون، رواية معينة للتاريخ العربي المعاصر، والآن هو في موقع المُدان أو المتهم شعبيا بارتكاب مجازر ضد شعبه.

أسقطت الثورات العربية تصنيفات "الممانعة والاعتدال"؛ أسقطت النظامين المصري والليبي، وعرّت السوري، فخلطت الأوراق.

من هنا أفهم أو أتمنى أن الجماهير استوعبت دروسا تزيد الواقعية، وتقلل من الشعبوية والعاطفية في التفكير. وأترقب هل ترفض الجماهير العربية السلبية والاستسلام لواشنطن، وبالتالي لتل أبيب، والتي هي الوجه الآخر لفكرة "دول الاعتدال"، كما أعلنت رفض المتاجرة بفلسطين زورا وبهتانا، وتحويلها إلى ورقة في يد أنظمة دموية دكتاتورية فاسدة، همّها الحفاظ على الحكم وتوريثه. 

 كيف ستكون "دفعة الثورات العربية"، دفعة حزيران السوري الراهن، وما ترتب عليها من إسقاط وتعرية وتصفية؟ لطالما كانت فلسطين نقطة تحول في محيطها، وسببا في نشوء تيارات وتنظيمات سياسية وفكرية. كيف ستتأثر فلسطين بالتحولات العربية المنشأ والمنبت هذه المرة؟ 

نشر في الغد الأردنية بتاريخ 5-6-2012

الارشيف